جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 3
ابن جرير الطبري • التفسير • ج3 ص311
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة: 190] والآيات بعدها، وقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} [البقرة: 194] إنما هو في سياق الآيات التي فيها الأمر بالقتال، والجهاد، والله جل ثناؤه إنما فرض القتال على المؤمنين بعد الهجرة فمعلوم بذلك أن قوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] مدني لا مكي، إذ كان فرض قتال المشركين لم يكن وجب على المؤمنين بمكة، وأن قوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] نظير قوله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة: 190] وأن معناه: فمن اعتدى عليكم في الحرم فقاتلكم فاعتدوا عليه بالقتال نحو اعتدائه عليكم بقتاله إياكم، لأني قد جعلت الحرمات قصاصا، فمن استحل منكم أيها المؤمنون من المشركين حرمة في حرمي، فاستحلوا منه مثله فيه. وهذه الآية منسوخة بإذن الله لنبيه بقتال أهل الحرم ابتداء في الحرم وقوله: {وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة: 36] على نحو ما ذكرنا من أنه بمعنى المجازاة وإتباع لفظ لفظا وإن اختلف معناهما، كما قال: {ومكروا ومكر الله} [آل عمران: 54] وقد قال: {فيسخرون منهم سخر الله منهم} [التوبة: 79] وما أشبه ذلك مما أتبع لفظ لفظا واختلف المعنيان. والآخر أن يكون بمعنى العدو الذي هو شد ووثوب من قول القائل: عدا الأسد على فريسته. فيكون معنى الكلام: فمن عدا عليكم: أي فمن
#
