جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 3
ابن جرير الطبري • التفسير • ج3 ص62
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} [البقرة: 173] قال: غير باغ في أكله، ولا عاد أن يتعدى حلالا إلى حرام وهو يجد عنه مندوحة "
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} [البقرة: 173] قال: غير باغ فيها ولا معتد فيها بأكلها وهو غني عنها " حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع الحسن يقول ذلك
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن مجاهد، وعكرمة، قوله {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} [البقرة: 173] غير باغ يبتغيه، ولا عاد يتعدى على ما يمسك نفسه "
حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} [البقرة: 173] يقول: من غير أن يبتغي حراما ويتعداه، ألا ترى أنه يقول: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7] "
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فمن PageEndV03P062 اضطر غير باغ ولا عاد} [البقرة: 173] قال «أن يأكل ذلك بغيا وتعديا عن الحلال إلى الحرام، ويترك الحلال وهو عنده، ويتعدى بأكل هذا الحرام هذا التعدي، ينكر أن يكونا مختلفين، ويقول هذا وهذا واحد» وقال آخرون: تأويل ذلك {فمن اضطر غير باغ} [البقرة: 173] في أكله شهوة {ولا عاد} [البقرة: 173] فوق ما لا بد له منه. ذكر من قال ذلك
حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} [البقرة: 173] أما باغ فيبغي فيه شهوته، وأما العادي: فيتعدى في أكله، يأكل حتى يشبع، ولكن يأكل منه قدر ما يمسك به نفسه حتى يبلغ به حاجته " وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: {فمن اضطر غير باغ} [البقرة: 173] بأكله ما حرم عليه من أكله {ولا عاد} [البقرة: 173] في أكله، وله عن ترك أكله بوجود غيره مما أحله الله له مندوحة وغنى، وذلك أن الله تعالى ذكره لم يرخص لأحد في قتل نفسه بحال، وإذ كان ذلك كذلك فلا شك أن الخارج على الإمام والقاطع الطريق، وإن كانا قد أتيا ما حرم الله عليهما من خروج هذا على من خرج عليه وسعي هذا بالإفساد في الأرض، فغير مبيح لهما فعلهما ما فعلا مما حرم الله عليهما ما كان حرم PageEndV03P063 الله عليهما قبل إتيانهما ما أتيا من ذلك من قتل أنفسهما، بل ذلك من فعلهما وإن لم يؤدهما إلى محارم الله عليهما تحريما فغير مرخص لهما ما كان عليهما قبل ذلك حراما، فإن كان ذلك كذلك، فالواجب على قطاع الطريق، والبغاة على الأئمة العادلة، الأوبة إلى طاعة الله، والرجوع إلى ما ألزمهما الله الرجوع إليه، والتوبة من معاصي الله لا قتل أنفسهما بالمجاعة، فيزدادان إلى إثمهما إثما، وإلى خلافهما أمر الله خلافا. وأما الذي وجه تأويل ذلك إلى أنه غير باغ في أكله شهوة، فأكل ذلك شهوة لا لدفع الضرورة المخوف منها الهلاك مما قد دخل فيما حرمه الله عليه، فهو بمعنى ما قلنا في تأويله، وإن كان للفظه مخالفا. فأما توجيه تأويل قوله: {ولا عاد} [البقرة: 173] ولا آكل منه شبعه، ولكن ما يمسك به نفسه؛ فإن ذلك بعض معاني الاعتداء في أكله، ولم يخصص الله من معاني الاعتداء في أكله معنى فيقال عنى به بعض معانيه. فإذا كان ذلك كذلك، فالصواب من القول ما قلنا من أنه الاعتداء في كل معانيه المحرمة. وأما تأويل قوله: {فلا إثم عليه} [البقرة: 173] يقول: من أكل ذلك على الصفة التي وصفنا فلا تبعة عليه في أكله ذلك كذلك ولا حرج
#
