جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 4
ابن جرير الطبري • التفسير • ج4 ص206
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة: 233] ثم أنزل الله اليسر، والتخفيف بعد ذلك، فقال تعالى ذكره: {لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] "
حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة: 233] يعني المطلقات يرضعن أولادهن حولين كاملين، ثم أنزل الرخصة، والتخفيف بعد ذلك، فقال: {لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] " ذكر من قال: إن الوالدات اللواتي ذكرهن الله في هذا الموضع البائنات من أزواجهن على ما وصفنا قبل
حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة: 233] إلى: {إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة: 233] أما الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين فالرجل يطلق امرأته وله منها ولد، وأنها ترضع له ولده بما يرضع له غيرها "
حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: " {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة: 233] قال: إذا طلق الرجل امرأته وهي ترضع له ولدا " حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، بنحوه وأولى الأقوال بالصواب في قوله: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين PageEndV04P207 لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] القول الذي رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ووافقه على القول به عطاء والثوري، والقول الذي روي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وابن عمر، وهو أنه دلالة على الغاية التي ينتهي إليها في الرضاع المولود إذا اختلف والده، وأن لا رضاع بعد الحولين يحرم شيئا، وأنه معني به كل مولود لستة أشهر كان ولاده، أو لسبعة أو لتسعة، فأما قولنا: إنه دلالة على الغاية التي ينتهى إليها في الرضاع عند اختلاف الوالدين فيه؛ فلأن الله تعالى ذكره لما حد في ذلك حدا، كان غير جائز أن يكون ما وراء حده موافقا في الحكم ما دونه، لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن للحد معنى معقول، وإذا كان ذلك كذلك، فلا شك أن الذي هو دون الحولين من الأجل لما كان وقت رضاع، كان ما وراءه غير وقت له، وأنه وقت لترك الرضاع، وأن تمام الرضاع لما كان تمام الحولين، وكان التام من الأشياء لا معنى إلى الزيادة فيه، كان لا معنى للزيادة في الرضاع على الحولين، وأن ما دون الحولين من الرضاع لما كان محرما، كان ما وراءه غير محرم، وإنما قلنا هو دلالة على أنه معني به كل مولود لأي وقت كان ولاده لستة أشهر، أو سبعة، أو تسعة، لأن الله تعالى ذكره عم بقوله: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة: 233] ولم يخصص به بعض المولودين دون بعض، وقد دللنا على فساد القول بالخصوص بغير بيان الله تعالى ذكره ذلك في كتابه، أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابنا «كتاب البيان عن أصول الأحكام» بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. PageEndV04P208 فإن قال لنا قائل: فإن الله تعالى ذكره قد بين ذلك بقوله: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] فجعل ذلك حدا للمعنيين كليهما، فغير جائز أن يكون حمل، ورضاع أكثر من الحد الذي حده الله تعالى ذكره، فما نقص من مدة الحمل عن تسعة أشهر، فهو مزيد في مدة الرضاع وما زيد في مدة الحمل نقص من مدة الرضاع، وغير جائز أن يجاوز بهما كليهما مدة ثلاثين شهرا، كما حده الله تعالى ذكره؟ قيل له: فقد يجب أن يكون مدة الحمل على هذه المقالة إن بلغت حولين كاملين، ألا يرضع المولود إلا ستة أشهر، وإن بلغت أربع سنين أن يبطل الرضاع فلا ترضع، لأن الحمل قد استغرق الثلاثين شهرا وجاوز غايته أو يزعم قائل هذه المقالة أن مدة الحمل لن تجاوز تسعة أشهر، فيخرج من قول جميع الحجة، ويكابر الموجود والمشاهد، وكفى بهما حجة على خطأ دعواه إن ادعى ذلك، فإلى أي الأمرين لجأ قائل هذه المقالة، وضح لذوي الفهم فساد قوله. فإن قال لنا قائل: فما معنى قوله إن كان الأمر على ما وصفت: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] وقد ذكرت آنفا أنه غير جائز أن يكون ما جاوز حد الله تعالى ذكره نظير ما دون حده في الحكم، وقد قلت: إن الحمل والفصال قد يجاوزان ثلاثين شهرا؟ قيل: إن الله تعالى ذكره لم يجعل قوله: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] حدا تعبد عباده بأن لا يجاوزه كما جعل قوله: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] حدا لرضاع المولود التام الرضاع، وتعبد PageEndV04P209 العباد بحمل والديه عليه عند اختلافهما فيه، وإرادة أحدهما الضرار به، وذلك أن الأمر من الله تعالى ذكره إنما يكون فيما يكون للعباد السبيل إلى طاعته بفعله والمعصية بتركه، فأما ما لم يكن لهم إلى فعله، ولا إلى تركه سبيل فذلك مما لا يجوز الأمر به ولا النهي عنه، ولا التعبد به فإذ كان ذلك كذلك، وكان الحمل مما لا سبيل للنساء إلى تقصير مدته، ولا إلى إطالتها فيضعنه متى شئن ويتركن وضعه إذا شئن، كان معلوما أن قوله: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] إنما هو خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خلقه من حملته وولدته وفصلته في ثلاثين شهرا، لا أمر بأن لا يتجاوز في مدة حمله وفصاله ثلاثون شهرا لما وصفنا، وكذلك قال ربنا تعالى ذكره في كتابه: {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] ، فإن ظن ذو غباء، أن الله تعالى ذكره إذ وصف أن من خلقه من حملته أمه ووضعته، وفصلته في ثلاثين شهرا، فواجب أن يكون جميع خلقه ذلك صفتهم، وأن ذلك دلالة على أن حمل كل عباده وفصاله ثلاثون شهرا؛ فقد يجب أن يكون كل عباده صفتهم أن يقولوا إذا بلغوا أشدهم وبلغوا أربعين سنة {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه} [النمل: 19] على ما وصف الله به الذي وصف في هذه الآية، وفي وجودنا من يستحكم كفره بالله وكفرانه نعم ربه عليه، وجرأته على والديه بالقتل والشتم وضروب المكاره عند PageEndV04P210 استكماله الأربعين من سنيه وبلوغه أشده ما يعلم أنه لم يعن الله بهذه الآية صفة جميع عباده، بل يعلم أنه إنما وصف بها بعضا منهم دون بعض، وذلك ما لا ينكره ولا يدفعه أحد؛ لأن من يولد من الناس لتسعة أشهر أكثر ممن يولد لأربع سنين ولسنتين، كما أن من يولد لتسعة أشهر أكثر ممن يولد لستة أشهر ولسبعة أشهر. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأ عامة أهل المدينة والعراق والشام: {لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] بالياء في (يتم) ونصب الرضاعة بمعنى: لمن أراد من الآباء والأمهات أن يتم رضاع ولده، وقرأه بعض أهل الحجاز (لمن أراد أن تتم الرضاعة) بالتاء في «تتم» ورفع «الرضاعة» بصفتها، والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأ بالياء في «يتم» ونصب «الرضاعة» لأن الله تعالى ذكره قال {والوالدات يرضعن أولادهن} [البقرة: 233] فكذلك هن يتممها إذا أردن هن والمولود له إتمامها، وأنها القراءة التي جاء بها النقل المستفيض الذي ثبتت به الحجة دون القراءة الأخرى وقد حكي في الرضاعة سماعا من العرب كسر الراء التي فيها، وإن تكن صحيحة فهي نظيرة الوكالة والوكالة، والدلالة والدلالة، ومهرت الشيء مهارة ومهارة، فيجوز حينئذ الرضاع والرضاع، كما قيل الحصاد والحصاد، وأما القراءة PageEndV04P211 فبالفتح لا غير
#
