جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 4
ابن جرير الطبري • التفسير • ج4 ص612
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه، يقول: «رد الله روح الحياة في عين إرميا وآخر جسده ميت، فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه، ونظر إلى حماره واقفا كهيئته يوم ربطه، لم يطعم ولم يشرب، ونظر إلى الرمة في عنق الحمار لم تتغير جديدة»
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {فأماته الله مائة عام ثم بعثه} " فنظر إلى حماره قائما قد مكث مائة عام، وإلى طعامه لم يتغير قد أتى عليه مائة عام، {وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما} [البقرة: 259] فكان أول شيء أحيا الله منه رأسه، فجعل ينظر إلى سائر خلقه يخلق " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: {فأماته الله مائة عام ثم بعثه} «فنظر إلى حماره قائما، وإلى طعامه وشرابه لم يتغير، فكان أول شيء خلق منه رأسه، فجعل ينظر إلى كل شيء منه يوصل بعضه إلى بعض» ، {فلما تبين له، قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259]
حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " PageEndV04P611 ذكر لنا أنه أول ما خلق الله منه رأسه، ثم ركبت فيه عيناه، ثم قيل له: انظر، فجعل ينظر، فجعلت عظامه تواصل بعضها إلى بعض، وبعين نبي الله عليه السلام كان ذلك "، فقال: «أعلم أن الله على كل شيء قدير»
حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك} [البقرة: 259] «وكان حماره عنده كما هو» ، {ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها} [البقرة: 259] قال الربيع: " ذكر لنا والله أعلم أنه أول ما خلق منه عيناه، ثم قيل: انظر، فجعل ينظر إلى العظام يتواصل بعضها إلى بعض وذلك بعينيه، فقيل: أعلم أن الله على كل شيء قدير "
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا ابن زيد، قال قوله: {فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك} [البقرة: 259] «واقفا عليك منذ مائة سنة» ، {ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام} [البقرة: 259] يقول: " وانظر إلى عظامك كيف نحييها حين سألتنا كيف نحيي هذه الأرض بعد موتها؟ قال: فجعل الله الروح في بصره وفي لسانه، ثم قال: ادع الآن بلسانك الذي جعل الله فيه الروح، وانظر ببصرك، قال: فكان ينظر إلى الجمجمة، قال: فنادى: ليلحق كل عظم بأليفه، قال: فجاء كل عظم إلى صاحبه، حتى اتصلت وهو يراها، حتى إن PageEndV04P612 الكسرة من العظم لتأتي إلى الموضع الذي انكسرت منه، فتلصق به حتى وصل إلى جمجمته، وهو يرى ذلك، فلما اتصلت شدها بالعصب والعروق، وأجرى عليها اللحم والجلد، ثم نفخ فيها الروح، ثم قال: {انظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له} [البقرة: 259] ذلك {قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259] قال: «ثم أمر فنادى تلك العظام التي» قال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] «كما نادى عظام نفسه، ثم أحياها الله كما أحياه»
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني بكر بن مضر، قال: " يزعمون في بعض الكتب أن الله أمات إرميا مائة عام، ثم بعثه، فإذا حماره حي قائم على رباطه، قال: ورد الله إليه بصره وجعل الروح فيه قبل أن يبعث بثلاثين سنة، ثم نظر إلى بيت المقدس وكيف عمر وما حوله، قال: فيقولون والله أعلم: إنه الذي قال الله تعالى ذكره: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية} [البقرة: 259] الآية " ومعنى الآية على تأويل هؤلاء: وانظر إلى حمارك، ولنجعلك آية للناس، وانظر إلى عظامك كيف ننشزها بعد بلاها، ثم نكسوها لحما، فنحييها بحياتك، فتعلم كيف يحيي الله القرى وأهلها بعد مماتها. PageEndV04P613 وأولى الأقوال في هذه الآية بالصواب قول من قال: إن الله تعالى ذكره بعث قائل {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] من مماته، ثم أراه نظير ما استنكر من إحياء الله القرية التي مر بها بعد مماتها عيانا من نفسه وطعامه وحماره، فحمل تعالى ذكره ما أراه من إحيائه نفسه وحماره مثلا لما استنكر من إحيائه أهل القرية التي مر بها خاوية على عروشها، وجعل ما أراه من العبرة في طعامه وشرابه عبرة له وحجة عليه في كيفية إحيائه منازل القرية وجنانها، وذلك هو معنى قول مجاهد الذي ذكرناه قبل. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية؛ لأن قوله: {وانظر إلى العظام} [البقرة: 259] إنما هو بمعنى: وانظر إلى العظام التي تراها ببصرك كيف ننشزها، ثم نكسوها لحما، وقد كان حماره أدركه من البلى في قول أهل التأويل جميعا نظير الذي لحق عظام من خوطب بهذا الخطاب، فلم يمكن صرف معنى قوله: {وانظر إلى العظام} [البقرة: 259] إلى أنه أمر له بالنظر إلى عظام الحمار دون عظام المأمور بالنظر إليها، ولا إلى أنه أمر له بالنطر إلى عظام نفسه دون عظام الحمار، وإذا كان ذلك كذلك، وكان البلى قد لحق عظامه وعظام حماره، كان الأولى بالتأويل أن يكون الأمر بالنظر إلى كل ما أدركه طرفه مما قد كان البلى لحقه؛ لأن الله تعالى ذكره جعل جميع ذلك عليه حجة وله عبرة وعظة
#
