شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 4

ابن جرير الطبري • التفسير • ج4 ص684

تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

الكبر وله ذرية ضعفاء صغار أطفال، {فأصابها} [البقرة: 266] يعني فأصاب الجنة إعصار فيه نار {فاحترقت} [البقرة: 266] يعني بذلك أن جنته تلك أحرقتها الريح التي فيها النار في حال حاجته إليها، وضرورته إلى ثمرتها بكبره وضعفه عن عمارتها، وفي حال صغر ولده وعجزه عن إحيائها والقيام عليها، فبقي لا شيء له، أحوج ما كان إلى جنته وثمارها بالآفة التي أصابتها من الإعصار الذي فيه النار، يقول: فكذلك المنفق ماله رياء الناس، أطفأ الله نوره، وأذهب بهاء عمله، وأحبط أجره حتى لقيه، وعاد إليه أحوج ما كان إلى عمله، حين لا مستعتب له ولا إقالة من ذنوبه ولا توبة، واضمحل عمله كما احترقت الجنة التي وصف جل ثناؤه صفتها عند كبر صاحبها وطفولة ذرية أحوج ما كان إليها فبطلت منافعها عنه. وهذا المثل الذي ضربه الله للمنفقين أموالهم رياء الناس في هذه الآية نظير المثل الآخر الذي ضربه لهم بقوله: {فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا} [البقرة: 264] وقد تنازع أهل التأويل في تأويل هذه الآية، إلا أن معاني قولهم في ذلك وإن اختلفت تصاريفهم فيها عائدة إلى المعنى الذي قلنا في ذلك، وأحسنهم إبانة لمعناها وأقربهم إلى الصواب قولا فيها السدي

حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت} [البقرة: 266] «هذا مثل آخر لنفقة الرياء، أنه ينفق ماله يرائي PageEndV04P682 الناس به، فيذهب ماله منه وهو يرائي، فلا يأجره الله فيه، فإذا كان يوم القيامة واحتاج إلى نفقته، وجدها قد أحرقها الرياء، فذهبت كما أنفق هذا الرجل على جنته، حتى إذا بلغت وكثر عياله واحتاج إلى جنته جاءت ريح فيها سموم فأحرقت جنته، فلم يجد منها شيئا، فكذلك المنفق رياء»

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب} [البقرة: 266] " كمثل المفرط في طاعة الله حتى يموت، قال: " يقول: أيود أحدكم أن يكون له دنيا لا يعمل فيها بطاعة الله، كمثل هذا الذي له جنات تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات، وأصابه الكبر، وله ذرية ضعفاء، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، فمثله بعد موته كمثل هذا حين أحرقت جنته وهو كبير، لا يغني عنها شيئا، وولده صغار لا يغنون عنها شيئا، وكذلك المفرط بعد الموت كل شيء عليه حسرة " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء، قال: سأل عمر الناس عن هذه الآية، فما وجد أحدا يشفيه، حتى قال ابن عباس وهو خلفه: «يا أمير المؤمنين PageEndV04P683 إني أجد في نفسي منها شيئا» ، قال: فتلفت إليه، فقال: تحول هاهنا، لم تحقر نفسك؟ قال: " هذا مثل ضربه الله عز وجل فقال: أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة، حتى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فني عمره، واقترب أجله، ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء فأفسده كله فحرقه أحوج ما كان إليه "

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن محمد بن سليم، عن ابن أبي مليكة، أن عمر، تلا هذه الآية: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب} [البقرة: 266] قال: «هذا مثل ضرب لإنسان يعمل عملا صالحا، حتى إذا كان عنده آخر عمره أحوج ما يكون إليه، عمل عمل السوء»

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، قال: سمعت أبا بكر بن أبي مليكة، يخبر عن عبيد بن عمير، أنه سمعه يقول: سأل عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " فيم ترون أنزلت {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب} [البقرة: 266] "؟ فقالوا: الله أعلم، فغضب عمر، فقال: «قولوا نعلم أو لا نعلم» فقال ابن عباس: «في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين» ، فقال عمر: «قل يا ابن أخي ولا تحقر نفسك» ، قال ابن عباس: «ضربت مثلا لعمل» ، قال عمر: «أي عمل» ؟ قال: «لعمل» ، فقال عمر: «رجل عني بعمل الحسنات، ثم بعث الله له الشيطان، PageEndV04P684 فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها» قال: وسمعت عبد الله بن أبي مليكة يحدث نحو هذا عن ابن عباس، سمعه منه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سمعت أبا بكر بن أبي مليكة يخبر أنه سمع عبيد بن عمير، قال: ابن جريج: وسمعت عبد الله بن أبي مليكة، قال: سمعت ابن عباس، قالا جميعا: إن عمر بن الخطاب سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه، إلا أنه قال عمر: للرجل يعمل بالحسنات، ثم يبعث له الشيطان فيعمل بالمعاصي

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء عنها. ثم قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قالا: «ضربت مثلا للأعمال» قال ابن جريج: وقال ابن عباس: «ضربت مثلا للعمل يبدأ فيعمل عملا

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية