جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 5
ابن جرير الطبري • التفسير • ج5 ص174
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما، فلم يجبهما , فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله، صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، فقال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] ، فافتتح السورة بتبرئة نفسه تبارك وتعالى مما قالوا، وتوحيده إياها بالخلق والأمر، لا شريك له فيه، وردا عليهم ما ابتدعوا من الكفر، وجعلوا معه من الأنداد، واحتجاجا عليهم بقولهم في صاحبهم، ليعرفهم بذلك ضلالتهم , فقال: {الله لا إله إلا هو} [آل عمران: 2] أي ليس معه شريك في أمره "
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {الم} [آل عمران: 1] ، {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] ، قال: إن النصارى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخاصموه في عيسى ابن مريم، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على الله الكذب والبهتان، لا إله إلا هو، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟» قالوا: بلى، قال: «ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟» قالوا: بلى، قال: «ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟» قال: بلى، قال: «فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟» قالوا: لا، قال: «أفلستم تعلمون أن الله عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟» قالوا: بلى، قال: «فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا إلا ما علم؟» قالوا: لا، قال: «فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، فهل تعلمون ذلك؟» قالوا: بلى، قال: «ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام، ولا يشرب PageEndV05P175 الشراب، ولا يحدث الحدث؟» قالوا: بلى، قال: «ألستم تعلمون أن عيسى حملته امرأة كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم الطعام، ويشرب الشراب، ويحدث الحدث؟» قالوا: بلى، قال: «فكيف يكون هذا كما زعمتم؟» . قال: فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا، فأنزل الله عز وجل: {الم} [آل عمران: 1] ، {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255]
#
