شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 6

ابن جرير الطبري • التفسير • ج6 ص105

تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

عز وجل: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} [آل عمران: 144] يقول: إن مات نبيكم، أو قتل، ارتددتم كفارا بعد إيمانكم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه، وزاد فيه: قال الربيع: وذكر لنا والله أعلم أن رجلا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمدا " قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل، فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم فأنزل الله عز وجل: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} [آل عمران: 144] يقول: «ارتددتم كفارا بعد إيمانكم»

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " لما برز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد إليهم - يعني إلى المشركين - أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجه خيل المشركين، وقال: «لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم» وأمر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات بن جبير، ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين، فهزماهم، وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهزموا أبا سفيان؛ فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين قدم، فرمته الرماة فانقمع، فلما نظر الرماة إلى PageEndV06P100 رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه، بادروا الغنيمة، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر؛ فلما رأى خالد قلة الرماة، صاح في خيله، ثم حمل فقتل الرماة، وحمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل، تبادروا فشدوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم، فأتى ابن قميئة الحارثي أحد بني الحارث بن عبد مناف بن كنانة، فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته، وشجه في وجهه فأثقله، وتفرق عنه أصحابه، ودخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة، فقاموا عليها، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: «إلي عباد الله إلي عباد الله» فاجتمع إليه ثلاثون رجلا، فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف، فحماه طلحة، فرمي بسهم في يده فيبست يده، وأقبل أبي بن خلف الجمحي - وقد حلف ليقتلن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أنا أقتلك» - فقال: يا كذاب أين تفر؟ فحمل عليه فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في جنب PageEndV06P101 الدرع، فجرح جرحا خفيفا، فوقع يخور خوران الثور، فاحتملوه وقالوا: ليس بك جراحة، قال: أليس قال: لأقتلنك؟ لو كانت لجميع ربيعة ومضر لقتلتهم، ولم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح، وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي، فنأخذ لنا أمنة من أبي سفيان يا قوم إن محمدا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم قال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل، فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة؛ فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه فأراد أن يرميه، فقال: «أنا رسول الله» ، ففرحوا حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا، وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع. فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابه الذين قتلوا، فقال الله عز وجل للذين قالوا: إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم PageEndV06P102 : {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران: 144]

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ومن ينقلب على عقبيه} [آل عمران: 144] قال: «يرتد»

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه أن رجلا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال: " يا فلان، أشعرت أن محمدا قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم "

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، قال: ثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عبد النجار، قال: " انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قد قتل محمد رسول الله، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله واستقبل القوم فقاتل حتى قتل، وبه سمي أنس بن مالك "

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: " نادى مناد يوم أحد حين هزم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: ألا إن محمدا قد قتل، فارجعوا إلى دينكم الأول فأنزل الله عز وجل: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} [آل عمران: 144] الآية "

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: " ألقي في أفواه المسلمين يوم أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، فنزلت هذه الآية: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} [آل عمران: 144] الآية "

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتزل هو وعصابة معه يومئذ على أكمة، والناس يفرون، ورجل قائم على الطريق يسألهم: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وجعل كلما مروا عليه يسألهم، فيقولون: والله ما ندري ما فعل فقال: والذي نفسي بيده لئن كان النبي صلى الله عليه وسلم قتل لنعطينهم بأيدينا، إنهم لعشائرنا وإخواننا وقالوا: إن محمدا إن كان حيا لم يهزم، ولكنه قد قتل، فترخصوا في الفرار حينئذ، فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} [آل عمران: 144] الآية "

حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} [آل عمران: 144] الآية: " ناس من أهل الارتياب والمرض والنفاق، قالوا يوم فر الناس عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، وشج فوق حاجبه، وكسرت رباعيته: قتل محمد، فالحقوا بدينكم الأول فذلك قوله: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} [آل عمران: 144] "

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} [آل عمران: 144] قال: «ما بينكم وبين أن تدعوا الإسلام وتنقلبوا على أعقابكم، إلا أن يموت محمد أو يقتل، فسوف يكون أحد هذين، فسوف يموت أو يقتل»

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} [آل عمران: 144] إلى قوله: {وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران: 144] " أي لقول الناس: قتل محمد، وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوهم، أي أفإن مات نبيكم أو قتل رجعتم عن دينكم كفارا كما كنتم، وتركتم جهاد عدوكم وكتاب الله، وما قد خلف نبيه من دينه معكم وعندكم؛ وقد بين لكم فيما جاءكم عني أنه ميت ومفارقكم؟ {ومن ينقلب على عقبيه} [آل عمران: 144] أي يرجع عن دينه، {فلن يضر الله شيئا} [آل عمران: 144] أي لن ينقص ذلك من عز الله ولا ملكه ولا سلطانه "

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قال: " أهل المرض والارتياب والنفاق حين فر الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم: قد قتل محمد، فالحقوا بدينكم الأول فنزلت هذه الآية " ومعنى الكلام: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد أو قتل؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا فجعل الاستفهام في حرف الجزاء، ومعناه أن يكون في جوابه خبر وكذلك كل استفهام دخل على جزاء، فمعناه أن يكون في جوابه خبر لأن الجواب خبر يقوم بنفسه والجزاء شرط لذلك الخبر ثم يجزم جوابه وهو كذلك، ومعناه الرفع لمجيئه بعد الجزاء، كما قال الشاعر: [البحر الطويل]

حلفت له إن تدلج الليل لا يزل ... أمامك بيت من بيوتي سائر

فمعنى «لا يزل» رفع، ولكنه جزم لمجيئه بعد الجزاء فصار كالجواب، ومثله: {أفإن مت فهم الخالدون} [الأنبياء: 34] و {فكيف تتقون إن كفرتم} [المزمل: 17] ، ولو كان مكان {فهم الخالدون} [الأنبياء: 34] يخلدون؛ وقيل: أفإن مت يخلدوا جاز الرفع فيه والجزم، وكذلك لو كان مكان {انقلبتم} [آل عمران: 144] «تنقلبوا» جاز الرفع والجزم لما وصفت قبل، وتركت إعادة الاستفهام ثانية مع قوله: {انقلبتم} [آل عمران: 144] اكتفاء بالاستفهام في أول الكلام وأن الاستفهام في أوله دال على موضعه ومكانه،

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية