شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 6

ابن جرير الطبري • التفسير • ج6 ص728

تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن PageEndV06P723 أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها فهذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما، فأمر الله سبحانه أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل، ومثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها، ومنعوها النفقة. فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا، فأمرهما جائز. فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي، وذلك قوله: إن يريدا إصلاحا قال: «هما الحكمان يوفق الله بينهما»

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا روح، قال: ثنا عوف، عن محمد بن سيرين: " أن الحكم، من أهلها والحكم من أهله يفرقان ويجمعان إذا رأيا ذلك {فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} [النساء: 35] "

حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر: قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سألت سعيد بن جبير عن الحكمين، فقال: لم أولد إذ ذاك , فقلت: إنما أعني حكم الشقاق قال: «يقبلان على الذي جاء الأذى من عنده، فإن فعل وإلا أقبلا على الآخر، فإن فعل، وإلا حكما، فما حكما PageEndV06P724 من شيء فهو جائز»

حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن عامر، في قوله: {فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} [النساء: 35] قال: «ما قضى الحكمان من شيء فهو جائز»

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن داود، عن إبراهيم , قال: «ما حكما من شيء فهو جائز؛ إن فرقا بينهما بثلاث تطليقات أو تطليقتين فهو جائز، وإن فرقا بتطليقة فهو جائز. وإن حكما عليه بهذا من ماله فهو جائز، فإن أصلحا فهو جائز، وإن وضعا من شيء فهو جائز»

حدثنا المثنى قال: ثنا حبان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: ثنا أبو جعفر , عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} [النساء: 35] قال: «ما صنع الحكمان من شيء فهو جائز عليهما، إن طلقا ثلاثا فهو جائز عليهما، وإن طلقها واحدة أو طلقاها على جعل فهو جائز، وما صنعا من شيء فهو جائز»

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: «إن شاء الحكمان أن يفرقا فرقا، وإن شاءا أن يجمعا جمعا»

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن الشعبي: أن امرأة، نشزت على زوجها، فاختصموا إلى شريح، فقال شريح: " ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها. فنظر الحكمان في أمرهما، فرأيا أن يفرقا بينهما , فكره ذلك الرجل، فقال شريح: «ففيم كانا اليوم؟ وأجاز قولهما»

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس، قال: بعثت أنا ومعاوية , حكمين. قال معمر: بلغني أن عثمان رضي الله عنه بعثهما، وقال لهما: " إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: ثني ابن أبي مليكة: أن عقيل بن أبي طالب، تزوج فاطمة ابنة عتبة، فكان بينهما كلام، فجاءت عثمان فذكرت ذلك له، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأفرقن بينهما. وقال معاوية: «ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما وقد اصطلحا»

حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك , في قوله: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} [النساء: 35] يكونان عدلين عليهما وشاهدين. وذلك إذا تدارأ الرجل والمرأة وتنازعا إلى السلطان، جعل عليهما حكمين: حكما من أهل الرجل وحكما من أهل المرأة، يكونان أمينين عليهما جميعا. وينظران من أيهما يكون الفساد، فإن كان من قبل المرأة أجبرت على طاعة زوجها، وأمر أن يتقي الله ويحسن صحبتها وينفق عليها بقدر ما آتاه الله؛ إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وإن كانت الإساءة من قبل الرجل أمر بالإحسان إليها، فإن لم يفعل قيل له: أعطها حقها , وخل سبيلها، وإنما يلي ذلك منهما السلطان " قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في قوله: {فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} [النساء: 35] أن الله خاطب المسلمين بذلك، وأمرهم ببعثة الحكمين عند خوف الشقاق بين الزوجين للنظر في أمرهما، ولم يخصص بالأمر بذلك بعضهم دون بعض. وقد أجمع الجميع على أن بعثة الحكمين في ذلك ليست لغير الزوجين وغير السلطان، الذي هو سائس أمر المسلمين، أو من أقامه في ذلك مقام نفسه واختلفوا في الزوجين والسلطان، ومن المأمور بالبعثة في ذلك: الزوجان، أو السلطان؟ ولا دلالة في الآية تدل على أن الأمر بذلك مخصوص به أحد الزوجين، ولا أثر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمة فيه مختلفة وإذ كان الأمر على ما وصفنا , فأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون مخصوصا من الآية ما أجمع الجميع على PageEndV06P727 أنه مخصوص منها. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون الزوجان والسلطان ممن قد شمله حكم الآية، والأمر بقوله: {فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} [النساء: 35] إذ كان مختلفا بينهما هل هما معنيان بالأمر بذلك أم لا؟ وكان ظاهر الآية قد عمهما؛ فالواجب من القول إذ كان صحيحا ما وصفنا أن يقال: إن بعث الزوجان كل واحد منهما حكما من قبله، لينظر في أمرهما، وكان لكل واحد منهما ممن بعثه من قبله في ذلك طاقة على صاحبه ولصاحبه عليه , فتوكيله بذلك من وكل جائز له وعليه، وإن وكله ببعض ولم يوكله بالجميع , كان ما فعله الحكم مما وكله به صاحبه ماضيا جائزا على ما وكله به وذلك أن يوكله أحدهما بما له دون ما عليه، أو لم يوكل كل واحد من الزوجين بما له وعليه، أو بما له، أو بما عليه، فليس للحكمين كليهما إلا ما اجتمعا عليه دون ما انفرد به أحدهما. وإن لم يوكلهما واحدا منها بشيء، وإنما بعثاهما للنظر ليعرفا الظالم من المظلوم منهما ليشهدا عليهما عند السلطان إن احتاجا إلى شهادتهما، لم يكن لهما أن يحدثا بينهما شيئا غير ذلك من طلاق أو أخذ مال أو غير ذلك، ولم يلزم الزوجين ولا PageEndV06P728 واحدا منهما شيء من ذلك فإن قال قائل: وما معنى الحكمين إذ كان الأمر على ما وصفت؟ قيل: قد اختلف في ذلك، فقال بعضهم: معنى الحكم: النظر العدل , كما قال الضحاك بن مزاحم في الخبر الذي ذكرناه، الذي:

حدثنا به، يحيى بن أبي طالب، عن يزيد، عن جويبر، عنه: «لا، أنتما قاضيان تقضيان بينهما» على السبيل التي بينا من قوله وقال آخرون: معنى ذلك: أنهما القاضيان يقضيان بينهما ما فوض إليهما الزوجان. وأي الأمرين كان فليس لهما ولا لواحد منهما الحكم بينهما بالفرقة، ولا بأخذ مال إلا برضا المحكوم عليه بذلك، وإلا ما لزم من حق لأحد الزوجين على الآخر في حكم الله , وذلك ما لزم الرجل لزوجته من النفقة والإمساك بمعروف إن كان هو الظالم لها. فأما غير ذلك فليس ذلك لهما ولا لأحد من الناس غيرهما، لا السلطان ولا غيره؛ وذلك أن الزوج إن كان هو الظالم للمرأة فللإمام السبيل إلى أخذه بما يجب لها عليه من حق، وإن كانت المرأة هي الظالمة زوجها الناشزة عليه , فقد أباح الله له أخذ الفدية منها وجعل إليه طلاقها على ما قد بيناه في سورة البقرة.

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية