جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 7
ابن جرير الطبري • التفسير • ج7 ص38
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
قال لي إسحاق بن وهب: قال يزيد بن هارون: «زعموا أن PageEndV07P030 هذه الدودة الحمراء ليس لها وزن» وبنحو الذي قلنا في ذلك صحت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
حدثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قالا: ثنا أبو داود، قال: ثنا عمران، عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة؛ وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة»
حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا هشام بن سعد، قال: أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: والذي نفسي بيده ما أحدكم بأشد مناشدة في الحق يراه مصيبا له، من المؤمنين في إخوانهم إذا رأوا أن قد خلصوا من النار يقولون: أي ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا ويجاهدون معنا، قد أخذتهم النار. فيقول الله لهم: اذهبوا فمن عرفتم صورته فأخرجوه. ويحرم صورتهم PageEndV07P031 على النار، فيجدون الرجل قد أخذته النار إلى أنصاف ساقيه وإلى ركبتيه وإلى حقويه، فيخرجون منها بشرا كثيرا، ثم يعودون فيتكلمون، فيقول: اذهبوا لمن وجدتم في قلبه مثقال قيراط خير فأخرجوه. فيخرجون منها بشرا كثيرا، ثم يعودون فيتكلمون، فلا يزال يقول لهم ذلك حتى يقول: اذهبوا , فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة فأخرجوه " فكان أبو سعيد إذا حدث بهذا الحديث قال: إن لم تصدقوا فاقرءوا: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] فيقولون: ربنا لم نذر فيها خيرا PageEndV07P032 وحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: ثني ابن الليث، عن الليث عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه وقال آخرون في ذلك بما:
حدثني به المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا صدقة بن أبي سهل , قال: ثنا أبو عمرو، عن زاذان، قال: أتيت ابن مسعود، فقال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين، ثم نادى مناد من عند الله: «ألا من كان يطلب مظلمة، فليجئ إلى حقه فليأخذه» قال: فيفرح والله الصبي أن يذوب له الحق على والده أو ولده أو زوجته، فيأخذه منه وإن كان صغيرا. ومصداق ذلك في كتاب الله تبارك وتعالى: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101] فيقال له: آت هؤلاء حقوقهم. اي أعطهم حقوقهم. فيقول: أي رب من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله لملائكته: أي ملائكتي انظروا في أعماله الصالحة، وأعطوهم منها. فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة وهو أعلم بذلك منها: يا ربنا أعطينا كل ذي حق حقه , وبقي له مثقال ذرة من حسنة. فيقول للملائكة: ضعفوها لعبدي، وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة. ومصداق ذلك في كتاب الله: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] أي الجنة PageEndV07P033 يعطيها، وإن فنيت حسناته وبقيت سيئاته قالت الملائكة وهو أعلم بذلك: إلهنا فنيت حسناته وبقي سيئاته، وبقي طالبون كثير. فيقول الله: ضعوا عليها من أوزارهم واكتبوا له كتابا إلى النار. قال صدقة: «أو صكا إلى جهنم» شك صدقة أيتهما قال "
وحدثت عن محمد بن عبيد، عن هارون بن عنترة، عن عبد الله بن السائب , قال: سمعت زاذان، يقول: قال عبد الله بن مسعود: " يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة، فينادي مناد على رءوس الأولين والآخرين: هذا فلان ابن فلان , من كان له حق فليأت إلى حقه. فتفرح المرأة أن يذوب لها الحق على أبيها، أو على ابنها، أو على أخيها، أو على زوجها، ثم قرأ ابن مسعود: {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101] فيغفر الله تبارك وتعالى من حقه ما شاء، ولا يغفر من حقوق الناس شيئا، فينصب للناس فيقول: آتوا إلى الناس حقوقهم. فيقول: رب فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: خذوا من أعماله الصالحة، فأعطوا كل ذي حق حقه بقدر مظلمته، فإن كان وليا لله , ففضل له مثقال ذرة ضاعفها له حتى يدخله بها الجنة. ثم قرأ علينا: { PageEndV07P034 إن الله لا يظلم مثقال ذرة} [النساء: 40] وإن كان عبدا شقيا قال الملك: رب فنيت حسناته، وبقي طالبون كثير. فيقول: خذوا من سيئاتهم، فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكا إلى النار " قال أبو جعفر: فتأويل الآية على تأويل عبد الله هذا: إن الله لا يظلم عبدا وجب له مثقال ذرة قبل عبد له آخر في معاده ويوم لقائه فما فوقه فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه، ولكنه يأخذه منه له، ويأخذ من كل ظالم لكل مظلوم تبعته قبله. {وإن تك حسنة يضاعفها} [النساء: 40] يقول: " وإن توجد له حسنة يضاعفها، بمعنى: يضاعف له ثوابها وأجرها. {ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] يقول: " ويعطه من عنده أجرا عظيما. والأجر العظيم: الجنة على ما قاله عبد الله ولكلا التأويلين وجه مفهوم، أعني التأويل الذي قاله ابن مسعود والذي قاله قتادة. وإنما اخترنا التأويل الأول لموافقته الآثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية التي قبلها , التي حث الله فيها على النفقة في طاعته، وذم النفقة في طاعة الشيطان، ثم وصل ذلك بما وعد المنافقين في طاعته بقوله: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة PageEndV07P035 يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] واختلفت القراء في قراءة قوله: {وإن تك حسنة} [النساء: 40] فقرأت ذلك عامة قراء العراق: {وإن تك حسنة} [النساء: 40] بنصب الحسنة، بمعنى: وإن تك زنة الذرة حسنة يضاعفها. وقرأ ذلك عامة قراء المدينة: (وإن تك حسنة) برفع الحسنة، بمعنى: وإن توجد حسنة على ما ذكرت عن عبد الله بن مسعود من تأويل ذلك. وأما قوله: {يضاعفها} [النساء: 40] فإنه جاء بالألف، ولم يقل: يضعفها؛ لأنه أريد به في قول بعض أهل العربية: يضاعفها أضعافا كثيرة؛ ولو أريد به في قوله يضعف ذلك ضعفين لقيل: يضعفها بالتشديد. ثم اختلف أهل التأويل في الذين وعدهم الله بهذه الآية ما وعدهم فيها، فقال بعضهم: هم جميع أهل الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم. واعتلوا في ذلك بما:
حدثنا الفضل بن الصباح، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن مبارك بن فضالة , عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، قال: لقيت أبا هريرة فقلت له: إنه بلغني أنك تقول: إن الحسنة لتضاعف ألف ألف حسنة. قال: وما أعجبك من ذلك؟ فوالله لقد سمعته، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: «إن الله PageEndV07P036 ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة» . وقال آخرون: بل ذلك المهاجرون خاصة دون أهل البوادي والأعراب. واعتلوا في ذلك بما:
حدثني محمد بن هارون أبو نشيط، قال: ثنا يحيى بن أبي بكير، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن عبد الله بن عمر، قال: نزلت هذه الآية في الأعراب: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] قال: " فقال رجل: فما للمهاجرين؟ قال: " ما هو أعظم من ذلك: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] وإذا قال الله لشيء عظيم فهو عظيم " قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب , قول من قال: عنى بهذه الآية المهاجرين دون الأعراب. وذلك أنه غير جائز أن يكون في أخبار الله أو أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يدفع بعضه بعضا، فإذا كان صحيحا وعد الله من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة من الجزاء عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة منهم أن يضاعفها له، وكان الخبران اللذان ذكرناهما عنه صلى الله عليه وسلم صحيحين، كان غير جائز إلا أن يكون أحدهما مجملا والآخر مفسرا، إذ كانت أخباره صلى الله عليه وسلم يصدق بعضها بعضا. وإذا كان ذلك كذلك صح أن خبر أبي هريرة معناه: إن الحسنة لتضاعف للمهاجرين من أهل الإيمان ألفي ألف حسنة، وللأعراب منهم عشر أمثالها، على PageEndV07P037 ما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وأن قوله: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] يعني: " من جاء بالحسنة من أعراب المؤمنين فله عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة من مهاجريهم يضاعف له، ويؤته الله من لدنه أجرا، يعني: يعطه من عنده أجرا عظيما، يعني: عوضا من حسنته عظيما. وذلك العوض العظيم: الجنة؛ كما:
حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا صدقة بن أبي سهل , قال: ثنا أبو عمرو، عن زاذان، عن ابن مسعود: {ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] أي الجنة يعطها "
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عباد بن أبي صالح، عن سعيد بن جبير، قوله: {ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] قال: " الأجر العظيم: الجنة "
حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] قال: " أجرا عظيما: الجنة " {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد PageEndV07P038 وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء: 41] يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله لا يظلم عباده مثقال ذرة، فكيف بهم {إذا جئنا من كل أمة بشهيد} [النساء: 41] يعني: " بمن يشهد عليها بأعمالها، وتصديقها رسلها، أو تكذيبها {وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء: 41] يقول: " وجئنا بك يا محمد على هؤلاء: أي على أمتك شهيدا، يقول: شاهدا. كما:
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء: 41] قال: " إن النبيين يأتون يوم القيامة، منهم من أسلم معه من قومه الواحد والاثنان والعشرة وأقل وأكثر من ذلك، حتى يؤتى بقوم لوط صلى الله عليه وسلم لم يؤمن معه إلا ابنتاه، فيقال لهم: هل بلغتم ما أرسلتم به؟ فيقولون: نعم، فيقال: من يشهد؟ فيقولون أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقال لهم: أتشهدون أن الرسل أودعوا عندكم شهادة، فبم تشهدون؟ فيقولون: ربنا نشهد أنهم قد بلغوا كما شهدوا في الدنيا بالتبليغ. فيقال: من يشهد على ذلك؟ فيقولون: محمد صلى الله عليه وسلم. فيدعى محمد عليه الصلاة والسلام، فيشهد أن أمته قد صدقوا، وأن الرسل قد بلغوا. فذلك قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم
#
