شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 7

ابن جرير الطبري • التفسير • ج7 ص440

تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

ذكر الأخبار المنقولة بذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثني يونس بن بكير، عن النضر أبي عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فلقي المشركين بعسفان، فلما صلى الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه، قال بعضهم لبعض يومئذ: كان فرصة لكم لو أغرتم عليهم ما علموا بكم حتى تواقعوهم، قال قائل منهم: فإن لهم صلاة أخرى هي أحب إليهم من أهلهم وأموالهم، فاستعدوا حتى تغيروا عليهم فيها. فأنزل الله عز وجل على نبيه عليه الصلاة والسلام: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} [النساء: 102] إلى آخر الآية، وأعلمه ما ائتمر به المشركون. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر وكانوا قبالته في القبلة فجعل المسلمين خلفه صفين فكبر PageEndV07P439 رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبروا جميعا، ثم ركع وركعوا معه جميعا؛ فلما سجد سجد معه الصف الذين يلونه، وقام الصف الذين خلفهم مقبلين على العدو؛ فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده وقام، سجد الصف الثاني، ثم قاموا وتأخر الذين يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدم الآخرون، فكانوا يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ركع ركعوا معه جميعا، ثم رفع فرفعوا معه، ثم سجد فسجد معه الذين يلونه، وقام الصف الثاني مقبلين على العدو، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده , وقعد الذين يلونه سجد الصف المؤخر ثم قعدوا، فتشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم عليهم جميعا، فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعضهم ينظر إليهم , قالوا: لقد أخبروا بما أردنا "

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمر بن ذر، قال: ثني مجاهد، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان، والمشركون بضجنان , بالماء الذي يلي مكة، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر فرأوه سجد وسجد الناس، قالوا: إذا صلى صلاة بعد هذه أغرنا عليه. فحذره الله ذلك , فقام النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فكبر وكبر الناس معه، فذكر نحوه

حدثني عمران بن بكار، قال: ثنا يحيى بن صالح، قال ثنا ابن عياش، قال: أخبرني عبيد الله بن عمر، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، PageEndV07P440 قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقينا المشركين بنخل , فكانوا بيننا وبين القبلة، فلما حضرت الظهر صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن جميع، فلما فرغنا تذامر المشركون فقالوا: لو كنا حملنا عليهم وهم يصلون، فقال بعضهم: فإن لهم صلاة ينتظرونها تأتي الآن هي أحب إليهم من أبنائهم، فإذا صلوا فميلوا عليهم. قال: فجاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر وعلمه كيف يصلي، فلما حضرت العصر قام نبي الله صلى الله عليه وسلم مما يلي العدو، وقمنا خلفه صفين، فكبر نبي الله وكبرنا معه جميعا، ثم ذكر نحوه. حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا حماد بن مسعدة، عن هشام بن أبي عبد الله، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه حدثنا مؤمل بن هشام، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه

حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، عن منصور , عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر وعلى المشركين خالد بن الوليد، فقال المشركون: لقد أصبنا منهم غرة. ولقد أصبنا منهم غفلة. فأنزل PageEndV07P441 الله صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، يعني فرقتين: فرقة تصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم , وفرقة تصلي خلفهم يحرسونهم، ثم كبر فكبروا جميعا وركعوا جميعا، ثم سجد بالذين يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام فتقدم الآخرون فسجدوا , ثم قام فركع بهم جميعا، ثم سجد بالذين يلونه حتى تأخر هؤلاء فقاموا في مصاف أصحابهم، ثم تقدم الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم؛ فكانت لكلهم ركعتين مع إمامهم. وصلى مرة أخرى في أرض بني سليم " قال أبو جعفر: فتأويل الآية على قول هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، ورووا هذه الرواية: وإذا كنت يا محمد فيهم، يعني في أصحابك خائفا، فأقمت لهم الصلاة، فلتقم طائفة منهم معك؛ يعني ممن دخل معك في صلاتك، {فإذا سجدوا} [النساء: 102] يقول: " فإذا سجدت هذه الطائفة بسجودك، ورفعت رءوسها من سجودها {فليكونوا من ورائكم} [النساء: 102] يقول: " فليصر من خلفك، خلف الطائفة التي حرستك وإياهم إذا سجدت بهم وسجدوا معك {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا} [النساء: 102] يعني الطائفة الحارسة التي صلت معه غير أنها لم تسجد بسجوده، فمعنى قوله: {لم يصلوا} [النساء: 102] على مذهب هؤلاء: لم PageEndV07P442 يسجدوا بسجودك: {فليصلوا معك} [النساء: 102] يقول: " فليسجدوا بسجودك إذا سجدت، ويحرسك وإياهم الذين سجدوا بسجودك في الركعة الأولى {وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} [النساء: 102] يعني الحارسة. وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال معنى ذلك: فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتها {فليكونوا من ورائكم} [النساء: 102] يعني من خلفك وخلف من يدخل في صلاتك ممن لم يصل معك الركعة الأولى بإزاء العدو بعد فراغها من بقية صلاتها {ولتأت طائفة أخرى} [النساء: 102] وهي الطائفة التي كانت بإزاء العدو لم يصلوا، يقول: لم يصلوا معك الركعة الأولى {فليصلوا معك} [النساء: 102] يقول: " فليصلوا معك الركعة التي بقيت عليك {وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} [النساء: 102] لقتال عدوهم بعد ما يفرغون من صلاتهم؛ وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعله يوم ذات الرقاع، والخبر الذي روى سهل بن أبى حثمة. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الله عز ذكره قال: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} [النساء: 102] وقد دللنا على أن إقامتها إتمامها بركوعها وسجودها، ودللنا مع ذلك على أن قوله: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} [النساء: 101] إنما هو إذن بالقصر من ركوعها وسجودها في حال شدة الخوف. PageEndV07P443 فإذا صح ذلك كان بينا أن لا وجه لتأويل من تأول ذلك أن الطائفة الأولى إذا سجدت مع الإمام فقد انقضت صلاتها، لقوله: {فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم} [النساء: 102] لاحتمال ذلك من المعاني ما ذكرت قبل، ولأنه لا دلالة في الآية على أن القصر الذي ذكر في الآية قبلها عنى به القصر من عدد الركعات. وإذ كان لا وجه لذلك، فقول من قال: أريد بذلك التقدم والتأخر في الصلاة على نحو صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان أبعد، وذلك أن الله جل ثناؤه يقول: {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك} [النساء: 102] وكلتا الطائفتين قد كانت صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعته الأولى في صلاته بعسفان، ومحال أن تكون التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم هي التي لم تصل معه. فإن ظن ظان أنه أريد بقوله: {لم يصلوا} [النساء: 102] لم يسجدوا، فإن ذلك غير الظاهر المفهوم من معاني الصلاة، وإنما توجه معاني كلام الله جل ثناؤه إلى الأظهر والأشهر من وجوههما ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له. وإذ كان ذلك كذلك ولم يكن في الآية أمر من الله عز ذكره للطائفة الأولى بتأخير قضاء ما بقي عليها من صلاتها إلى فراغ الإمام من بقية صلاته، ولا على المسلمين الذين بإزاء العدو في اشتغالها بقضاء ذلك ضرر، لم يكن لأمرها بتأخير ذلك وانصرافها قبل قضاء باقي صلاتها عن موضعها معنى. PageEndV07P444 غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإنا نرى أن من صلاها من الأئمة فوافقت صلاته بعض الوجوه التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلاها , فصلاته مجزئة عنه تامة لصحة الأخبار بكل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه من الأمور التي علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ثم أباح لهم العمل بأي ذلك شاءوا. وأما قوله: {ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم} [النساء: 102] فإنه يعني: تمنى الذين كفروا بالله، لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم، يقول: لو تشتغلون بصلاتكم عن أسلحتكم التي تقاتلونهم بها، وعن أمتعتكم التي بها بلاغكم في أسفاركم فتسهون عنها. {فيميلون عليكم ميلة واحدة} [النساء: 102] يقول: " فيحملون عليكم وأنتم مشاغيل بصلاتكم عن أسلحتكم وأمتعتكم جملة واحدة، فيصيبون منكم غرة بذلك فيقتلونكم , ويستبيحون عسكركم. يقول جل ثناؤه فلا تفعلوا ذلك بعد هذا، فتشتغلوا جميعكم بصلاتكم إذا حضرتكم صلاتكم وأنتم مواقفو العدو، فتمكنوا عدوكم من أنفسكم وأسلحتكم وأمتعتكم ولكن أقيموا الصلاة على ما بينت لكم، وخذوا من عدوكم حذركم وأسلحتكم

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية