جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 8
ابن جرير الطبري • التفسير • ج8 ص106
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة، قال: ثنا عبيد , عن الضحاك: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} [المائدة: 4] قال: «هي الكلاب»
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} [المائدة: 4] يقول: «أحل لكم صيد الكلاب التي علمتموهن»
حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريج، عن نافع , عن ابن عمر، قال: «أما ما صاد من الطير والبزاة من الطير، فما أدركت فهو لك، وإلا فلا تطعمه» PageEndV08P106 وأولى القولين بتأويل الآية، قول من قال: كل ما صاد من الطير والسباع فمن الجوارح، وإن صيد جميع ذلك حلال إذا صاد بعد التعليم، لأن الله جل ثناؤه عم بقوله: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} [المائدة: 4] كل جارحة , ولم يخصص منها شيئا، فكل جارحة كانت بالصفة التي وصف الله من كل طائر وسبع فحلال أكل صيدها. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحو ما قلنا في ذلك خبر، مع ما في الآية من الدلالة التي ذكرنا على صحة ما قلنا في ذلك , وهو ما:
حدثنا به، هناد، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: سألت رسول الله عن صيد البازي، فقال: «ما أمسك عليك فكل» فأباح صلى الله عليه وسلم صيد البازي وجعله من الجوارح، ففي ذلك دلالة بينة على فساد قول من قال: عنى الله بقوله: {وما علمتم من الجوارح} [المائدة: 4] ما علمنا من الكلاب خاصة دون غيرها من سائر الجوارح. فإن ظن ظان أن في قوله {مكلبين} [المائدة: 4] دلالة على أن الجوارح التي ذكرت في قوله: {وما علمتم من الجوارح} [المائدة: 4] هي الكلاب خاصة، فقد ظن غير الصواب، وذلك أن معنى الآية: قل أحل لكم أيها الناس في حال مصيركم PageEndV08P107 أصحاب كلاب الطيبات وصيد ما علمتموه الصيد من كواسب السباع والطير. فقوله: {مكلبين} [المائدة: 4] صفة للقانص، وإن صاد بغير الكلاب في بعض أحيانه، وهو نظير قول القائل يخاطب قوما: أحل لكم الطيبات، وما علمتم من الجوارح مكلبين مؤمنين؛ فمعلوم أنه إنما عنى قائل ذلك إخبار القوم أن الله جل ذكره أحل لهم في حال كونهم أهل إيمان الطيبات، وصيد الجوارح التي أعلمهم أنه لا يحل لهم منه إلا ما صادوه بها، فكذلك قوله: {أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين} [المائدة: 4] لذلك نظيره في أن التكليب للقانص بالكلاب كان صيده أو بغيرها، لا أنه إعلام من الله عز ذكره أنه لا يحل من الصيد إلا ما صادته الكلاب
#
