جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 8
ابن جرير الطبري • التفسير • ج8 ص125
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
منه، أدركت ذكاته فذكي أو لم تدرك ذكاته حتى قتلته الجوارح، بجرحها إياه أو بغير جرح. وهذا قول الذين قالوا: تعليم الجوارح الذي يحل به صيدها أن تعلم الاستشلاء على الصيد وطلبه إذا أشليت عليه وأخذه، وترك الهرب من صاحبها دون ترك الأكل من صيدها إذا صادته. وقد ذكرنا قول قائلي هذه المقالة والرواية عنهم بأسانيدها الواردة آنفا وقال آخرون: بل ذلك على الخصوص دون العموم، قالوا: ومعناه: فكلوا مما أمسكن عليكم من الصيد جميعه دون بعضه. قالوا: فإن أكلت الجوارح منه بعضا وأمسكت بعضا، فالذي أمسكت منه غير جائز أكله وقد أكلت بعضه لأنها إنما أمسكت ما أمسكت من ذلك الصيد بعد الذي أكلت منه على أنفسها لا علينا، والله تعالى ذكره إنما أباح لنا كل ما أمسكته جوارحنا المعلمة عليه بقوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] دون ما أمسكته على أنفسها، وهذا قول من قال: تعليم الجوارح الذي يحل به صيدها , أن تستشلي للصيد إذا أشليت فتطلبه وتأخذه، فتمسكه على صاحبها فلا تأكل منه شيئا، ولا تفر من صاحبها؛ وقد ذكرنا ممن قال ذلك فيما مضى منهم جماعة كثيرة، ونذكر منهم جماعة آخرين في هذا الموضع
حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] يقول: " كلوا PageEndV08P124 مما قتلن. قال علي: وكان ابن عباس يقول: إن قتل وأكل فلا تأكل، وإن أمسك فأدركته حيا فذكه "
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه , عن ابن عباس، قال: «إن أكل المعلم من الكلاب من صيده قبل أن يأتيه صاحبه فيدرك ذكاته، فلا يأكل من صيده»
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] إذا صاد الكلب فأمسكه وقد قتله ولم يأكل منه، فهو حل، فإن أكل منه، فيقال: إنما أمسك على نفسه , فلا تأكل منه شيئا، إنه ليس بمعلم "
حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {يسألونك ماذا أحل لهم} [المائدة: 4] إلى قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} [المائدة: 4] قال: «إذا أرسلت كلبك المعلم أو طيرك أو سهمك , فذكرت اسم الله، فأخذ أو قتل، فكل»
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سلمان , قال: سمعت الضحاك، يقول: «إذا أرسلت كلبك المعلم فذكرت اسم الله حين ترسله فأمسك أو قتل فهو حلال، فإذا أكل منه فلا تأكله، فإنما أمسكه PageEndV08P125 على نفسه»
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن الشعبي، عن عدي، قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] قال: " قلت: يا رسول الله، إن أرضي أرض صيد؟ قال: «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل مما أمسك عليك كلبك، وإن قتل، فإن أكل فلا تأكل فإنه إنما أمسك على نفسه» وقد بينا أولى القولين في ذلك بالصواب قبل، فأغنى ذلك عن إعادته وتكراره. فإن قال قائل: وما وجه دخول من في قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] وقد أحل الله لنا صيد جوارحنا الحلال، ومن إنما تدخل في الكلام مبعضة لما دخلت فيه؟ قيل: قد اختلف في معنى دخولها في هذا الموضع أهل العربية، فقال بعض نحويي البصرة حين دخلت من في هذا الموضع لغير معنى، كما تدخله العرب في قولهم: كان من مطر، وكان من حديث. قال: ومن ذلك قوله: {ويكفر عنكم من سيئاتكم} [البقرة: 271] وقوله: {وينزل من السماء من جبال فيها PageEndV08P126 من برد} [النور: 43] قال: " وهو فيما فسر: وينزل من السماء جبالا فيها برد. قال: وقال بعضهم: {وينزل من السماء من جبال فيها من برد} [النور: 43] أي من السماء من برد، بجعل الجبال من برد في السماء، وبجعل الإنزال منها. وكان غيره من أهل العربية ينكر ذلك ويقول: لم تدخل من إلا لمعنى مفهوم لا يجوز الكلام ولا يصلح إلا به، وذلك أنها دالة على التبعيض. وكان يقول: معنى قولهم: قد كان من مطر، وكان من حديث: هل كان من مطر مطر عندكم، وهل من حديث حدث عندكم. ويقول: معنى {ويكفر عنكم من سيئاتكم} [البقرة: 271] أي ويكفر عنكم من سيئاتكم ما يشاء ويريد، وفي قوله: {وينزل من السماء من جبال فيها من برد} [النور: 43] فيجيز حذف من من {من برد} [النور: 43] ولا يجيز حذفها من الجبال، ويتأول معنى ذلك: وينزل من السماء أمثال جبال برد، ثم أدخلت من في البرد، لأن البرد مفسر عنده عن الأمثال: أعني: أمثال الجبال , وقد أقيمت الجبال مقام الأمثال والجبال وهي جبال برد، فلا يجيز حذف من من الجبال، لأنها دالة على أن الذي في السماء الذي أنزل منه البرد أمثال جبال برد، وأجاز حذف من من البرد، لأن البرد مفسر عن الأمثال، كما تقول: عندي رطلان زيتا، وعندي رطلان من زيت، PageEndV08P127 وليس عندك الرطل وإنما عندك المقدار، فمن تدخل في المفسر وتخرج منه. وكذلك عند قائل هذا القول: من السماء، من أمثال جبال، وليس بجبال. وقال: وإن كان أنزل من جبال في السماء من برد جبالا، ثم حذف الجبال الثانية والجبال الأول في السماء جاز، تقول: أكلت من الطعام، تريد: أكلت من الطعام طعاما، ثم تحذف الطعام ولا تسقط من. والصواب من القول في ذلك، أن من لا تدخل في الكلام إلا لمعنى مفهوم، وقد يجوز حذفها في بعض الكلام وبالكلام إليها حاجة لدلالة ما يظهر من الكلام عليها، فأما أن تكون في الكلام لغير معنى أفادته بدخولها، فذلك قد بينا فيما مضى أنه غير جائز أن يكون فيما صح من الكلام. ومعنى دخولها في قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] للتبعيض إذ كانت الجوارح تمسك على أصحابها ما أحل الله لهم لحومه وحرم عليهم فرثه ودمه، فقال جل ثناؤه: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] جوارحكم الطيبات التي أحللت لكم من لحومها دون ما حرمت عليكم من خبائثه من الفرث والدم وما أشبه ذلك مما لم أطيبه لكم، فذلك معنى دخول من في ذلك. وأما قوله: {ويكفر عنكم من سيئاتكم} [البقرة: 271] فقد بينا وجه دخولها فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته. وأما دخولها في قوله: {وينزل من السماء من جبال} [النور: 43] فسنبينه إذا PageEndV08P128 أتينا عليه إن شاء الله تعالى:
#
