جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 8
ابن جرير الطبري • التفسير • ج8 ص326
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
عندهم. وإذا كان غير جائز أن يخاطبهم خطابا لا يفيدهم به معنى، فمعلوم أنه عنى ابني آدم لصلبه، لا ابني بنيه الذين بعد منه نسبهم مع إجماع أهل الأخبار والسير والعلم بالتأويل على أنهما كانا ابني آدم لصلبه وفي عهد آدم وزمانه، وكفى بذلك شاهدا. وقد ذكرنا كثيرا ممن نص عنه القول بذلك، وسنذكر كثيرا ممن لم يذكر إن شاء الله
حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا حسام بن مصك , عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، قال: " لما قتل ابن آدم أخاه , مكث آدم مائة سنة حزينا لا يضحك، ثم أتي فقيل له: حياك الله وبياك. فقال: بياك: أضحكك "
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني، قال: قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: لما قتل ابن آدم أخاه، بكى آدم فقال: [البحر الوافر]
تغيرت البلاد ومن عليها ... فلون الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم ... وقل بشاشة الوجه المليح
فأجيب آدم عليه السلام PageEndV08P326 [البحر الوافر]
أبا هابيل قد قتلا جميعا ... وصار الحي كالميت الذبيح
وجاء بشرة قد كان منها ... على خوف فجاء بها يصيح
وأما القول في تقريبهما ما قربا، فإن الصواب فيه من القول أن يقال: إن الله عز ذكره أخبر عباده عنهما أنهما قد قربا، ولم يخبر أن تقريبهما ما قربا كان عن أمر الله إياهما به ولا عن غير أمره. وجائز أن يكون كان عن أمر الله إياهما بذلك، وجائز أن يكون عن غير أمره. غير أنه أي ذلك كان فلم يقربا ذلك إلا طلب قربة إلى الله إن شاء الله. وأما تأويل قوله: {قال لأقتلنك} [المائدة: 27] فإن معناه: قال الذي لم يتقبل منه قربانه للذي تقبل منه قربانه: لأقتلنك. فترك ذكر المتقبل قربانه والمردود عليه قربانه , استغناء بما قد جرى من ذكرهما عن إعادته، وكذلك ترك ذكر المتقبل قربانه مع قوله: {قال إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] . وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس:
حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {قال لأقتلنك} [المائدة: 27] فقال له أخوه: ما ذنبي {إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] "
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إنما PageEndV08P327 يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] قال: " يقول: إنك لو اتقيت الله في قربانك تقبل منك، جئت بقربان مغشوش بأشر ما عندك، وجئت أنا بقربان طيب بخير ما عندي؛ قال: وكان قال: يتقبل الله منك ولا يتقبل مني " ويعني بقوله: {من المتقين} [المائدة: 27] من الذين اتقوا الله وخافوه بأداء ما كلفهم من فرائضه واجتناب ما نهاهم عنه من معصيته. وقد قال جماعة من أهل التأويل: المتقون في هذا الموضع الذين اتقوا الشرك
#
