شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 8

ابن جرير الطبري • التفسير • ج8 ص335

تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {إني أريد أن تبوء، بإثمي وإثمك} [المائدة: 29] يقول: «إني أريد أن تكون عليك خطيئتي ودمي، فتبوء بهما جميعا» والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن تأويله: إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي , وذلك هو معنى قوله: {إني أريد أن تبوء بإثمي} [المائدة: 29] وأما معنى {وإثمك} [المائدة: 29] فهو إثمه بغير قتله، وذلك معصية الله جل ثناؤه في أعمال سواه. وإنما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع أهل التأويل عليه، لأن الله عز ذكره قد أخبرنا أن كل عامل فجزاء عمله له أو عليه، وإذا كان ذلك حكمه في خلقه فغير PageEndV08P333 جائز أن يكون آثام المقتول مأخوذا بها القاتل وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه دون ما ركبه قتيله. فإن قال قائل: أو ليس قتل المقتول من بني آدم كان معصية لله من القاتل؟ قيل: بلى، وأعظم بها معصية. فإن قال: فإذا كان لله جل وعز معصية، فكيف جاز أن يريد ذلك منه المقتول ويقول: {إني أريد أن تبوء بإثمي} [المائدة: 29] وقد ذكرت أن تأويل ذلك: إني أريد أن تبوء بإثم قتلي؟ فمعناه: إني أريد أن تبوء بإثم قتلي إن قتلتني لأني لا أقتلك، فإن أنت قتلتني فإني مريد أن تبوء بإثم معصيتك الله في قتلك إياي. وهو إذا قتله، فهو لا محالة باء به في حكم الله، فإرادته ذلك غير موجبة له الدخول في الخطأ. ويعني بقوله: {فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين} [المائدة: 29] يقول: " فتكون بقتلك إياي من سكان الجحيم، ووقود النار المخلدين فيها {وذلك جزاء الظالمين} [المائدة: 29] يقول: " والنار ثواب التاركين طريق الحق الزائلين عن قصد السبيل، المتعدين ما جعل لهم إلى ما لم يجعل لهم. وهذا يدل على أن الله عز ذكره قد كان أمر ونهى آدم بعد أن أهبطه إلى الأرض، ووعد وأوعد , ولولا ذلك ما قال المقتول للقاتل: فتكون من أصحاب النار بقتلك إياي، ولا أخبره أن ذلك جزاء الظالمين. فكان مجاهد يقول: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة، ووجهه في الشمس حيثما دارت دار، عليه في الصيف حظيرة PageEndV08P334 من نار وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج

حدثنا بذلك القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد ذلك. قال: وقال عبد الله بن عمرو: «إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب، عليه شطر عذابهم» وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ما روي عن عبد الله بن عمرو خبر

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، وحدثنا سفيان، قال: ثنا جرير، وأبو معاوية ح وحدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، ووكيع، جميعا عن الأعمش , عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها، ذلك بأنه أول من سن القتل» حدثنا سفيان، قال: ثنا أبي ح، وحدثنا ابن بشار , قال: ثنا عبد الرحمن جميعا، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة , عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن حسن بن صالح، عن إبراهيم بن مهاجر , عن إبراهيم النخعي، قال: «ما من مقتول يقتل ظلما، إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفل منه»

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، أنه حدث عن عبد الله بن عمرو، أنه كان يقول: «إن أشقى الناس رجلا لابن آدم الذي قتل أخاه، ما سفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة إلا لحق به منه شيء، وذلك أنه أول من سن القتل» وبهذا الخبر الذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين أن القول الذي قاله الحسن في ابني آدم اللذين , ذكرهما الله في هذا الموضع أنهما ليسا بابني آدم لصلبه، ولكنهما رجلان من بني إسرائيل، وأن القول الذي حكي عنه، أن أول من مات آدم، وأن القربان الذي كانت النار تأكله لم يكن إلا في بني إسرائيل خطأ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن هذا القاتل الذي قتل أخاه. أنه أول من سن PageEndV08P336 القتل، وقد كان لا شك القتل قبل إسرائيل، فكيف قبل ذريته، وخطأ من القول أن يقال: أول من سن القتل رجل من بني إسرائيل. وإذ كان ذلك كذلك , فمعلوم أن الصحيح من القول هو قول من قال: هو ابن آدم لصلبه، لأنه أول من سن القتل، فأوجب الله له من العقوبة ما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية