جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 8
ابن جرير الطبري • التفسير • ج8 ص694
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ذكر من قال ذلك بنحو الذي قلنا فيه حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن بكر بن عبد الله المزني، قال: كان رجلان من الأعراب محرمين، فأحاش أحدهما ظبيا فقتله الآخر، فأتيا عمر وعنده عبد الرحمن بن عوف، فقال له عمر: وما ترى؟ قال: شاة. قال: وأنا أرى ذلك، اذهبا فأهديا شاة، فلما مضيا قال أحدهما لصاحبه: ما درى أمير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه. فسمعها عمر، فردهما فقال: هل تقرآن سورة المائدة؟ فقالا: لا. فقرأها عليهما: {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] ، ثم قال: «استعنت بصاحبي هذا»
حدثنا أبو كريب، ويعقوب، قالا: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: ابتدرت أنا وصاحب لي ظبيا في العقبة، فأصبته. فأتيت عمر بن الخطاب، فذكرت ذلك له، فأقبل على رجل إلى جنبه، فنظرا في ذلك. قال: فقال: «اذبح كبشا» قال يعقوب في حديثه: فقال لي اذبح شاة. فانصرفت فأتيت صاحبي، قلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول، فقال صاحبي: انحر ناقتك، فسمعها عمر بن الخطاب، فأقبل علي ضربا بالدرة، وقال: «تقتل الصيد وأنت محرم وتغمص الفتيا» ، إن الله تعالى يقول في كتابه: {يحكم به ذوا عدل PageEndV08P691 منكم} [المائدة: 95] هذا ابن عوف وأنا عمر " حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا حصين، عن الشعبي قال: أخبرني قبيصة بن جابر بنحو ما حدث به عبد الملك
حدثنا هناد، وأبو هشام، قالا: ثنا وكيع، عن المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: خرجنا حجاجا فكنا إذا صلينا الغداة اقتدرنا رواحلنا نتماشى نتحدث. قال: فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي، أو برح، فرماه رجل منا بحجر، فما أخطأ خششاءه، فركب ردعه ميتا. قال: فعظمنا عليه، فلما قدمنا مكة، خرجت معه حتى أتينا عمر، فقص عليه القصة. قال: وإذا إلى جنبه رجل كأن وجهه قلب فضة يعني عبد الرحمن بن عوف فالتفت إلى صاحبه فكلمه، قال: ثم أقبل علي الرجل قال: أعمدا قتلته أم خطأ؟ قال الرجل: لقد تعمدت رميه، وما أردت قتله. فقال عمر: " ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها، وتصدق بلحمها، واسق إهابها، قال: فقمنا من عنده، فقلت: أيها الرجل عظم شعائر الله، فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه، اعمد PageEndV08P692 إلى ناقتك فانحرها، ففعل ذاك. قال قبيصة: ولا أذكر الآية من سورة المائدة: {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] قال: فبلغ عمر مقالتي، فلم يفجأنا إلا ومعه الدرة، قال: فعلا صاحبي ضربا بالدرة، وجعل يقول: أقتلت في الحرم وسفهت الحكم، قال: ثم أقبل علي فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحل لك اليوم شيئا يحرم عليك مني. قال: يا قبيصة بن جابر، إني أراك شاب السن، فسيح الصدر، بين اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيئ، فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الحسنة، فإياك وعثرات الشباب "
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن مخارق، عن طارق، قال: أوطأ أربد ضبا فقتله وهو محرم، فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: " احكم معي فحكما فيه جديا قد جمع الماء والشجر، ثم قال عمر: {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: 95]
حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا جامع بن حماد، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رجلا، أصاب صيدا، فأتى ابن عمر فسأله عن ذلك وعنده عبد الله بن صفوان، فقال ابن عمر لابن صفوان: إما أن أقول فتصدقني، وإما أن تقول فأصدقك فقال ابن صفوان: بل أنت فقل، فقال ابن PageEndV08P693 عمر، ووافقه على ذلك عبد الله بن صفوان
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن شريح، أنه قال: «لو وجدت حكما عدلا لحكمت في الثعلب جديا، وجدي أحب إلي من الثعلب»
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن بكير، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي مجلز، أن رجلا سأل ابن عمر عن رجل أصاب صيدا وهو محرم، وعنده ابن صفوان، فقال له ابن عمر: " إما أن تقول فأصدقك، أو أقول فتصدقني، قال: قل وأصدقك "
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، قال: أخبرني ابن جرير البجلي، قال: أصبت ظبيا وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر، فقال: " ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك، فأتيت عبد الرحمن وسعدا، فحكما علي تيسا أعفر. قال أبو جعفر: الأعفر: الأبيض حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن منصور بإسناده عن عمر، مثله
حدثنا عبد الحميد، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن ابن سيرين، قال: " كان رجل على ناقة وهو محرم، فأبصر ظبيا يأوي إلى أكمة، فقال: لأنظر أنا أسبق إلى هذه الأكمة أم هذا الظبي؟ فوقعت عنز من الظباء تحت قوائم ناقته فقتلتها. فأتى عمر فذكر ذلك له، فحكم عليه هو وابن عوف عنزا عفراء قال: وهي البيضاء
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن محمد، أن رجلا، أوطأ ظبيا وهو محرم، فأتى عمر فذكر ذلك له وإلى جنبه عبد الرحمن بن عوف، فأقبل على عبد الرحمن فكلمه، ثم أقبل على الرجل فقال: «أهد عنزا عفراء»
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، أنه كان يقول: «ما أصاب المحرم من شيء لم يمض فيه حكومة، استقبل به، فيحكم فيه ذوا عدل»
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثني وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن يعلى، عن عمرو بن حبشي، قال: سمعت رجلا، يسأل عبد الله بن عمر عن رجل، أصاب ولد أرنب، فقال: فيه ولد ماعز فيما أرى أنا. ثم قال لي: أكذاك؟ فقلت: أنت أعلم مني، فقال: قال الله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: 95]
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، وسهل بن يوسف، عن حميد، عن بكر، أن رجلين، أبصرا ظبيا وهما محرمان، فتراهنا، وجعل كل واحد منهما لمن PageEndV08P695 سبق إليه. فسبق إليه أحدهما، فرماه بعصاه فقتله. فلما قدما مكة أتيا عمر يختصمان إليه وعنده عبد الرحمن بن عوف، فذكرا ذلك له، فقال عمر: هذا قمار، ولا أجيزه، ثم نظر إلى عبد الرحمن فقال: ما ترى؟ قال: شاة، فقال عمر: وأنا أرى ذلك. فلما قفى الرجلان من عند عمر قال أحدهما لصاحبه: ما درى عمر ما يقول حتى سأل الرجل، فردهما عمر فقال: إن الله تعالى لم يرض بعمر وحده فقال: {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] وأنا عمر، وهذا عبد الرحمن بن عوف " وقال آخرون: بل ينظر العدلان إلى الصيد المقتول فيقومانه قيمته دراهم، ثم يأمران القاتل أن يشتري بذلك من النعم هديا. فالحاكمان في قول هؤلاء بالقيمة، وإنما يحتاج إليهما لتقويم الصيد قيمته في الموضع الذي أصابه فيه. وقد ذكرنا عن إبراهيم النخعي فيما مضى قبل أنه كان يقول: ما أصاب المحرم من شيء حكم فيه قيمته، وهو قول جماعة من متفقهة الكوفيين. وأما قوله: {هديا} [المائدة: 95] فإنه مصدر على الحال من الهاء التي في قوله: {يحكم به} [المائدة: 95] ، وقوله: {بالغ الكعبة} [المائدة: 95] من نعت الهدي وصفته. وإنما جاز أن ينعت به وهو مضاف إلى معرفة، لأنه في معنى النكرة، وذلك أن معنى قوله: {بالغ الكعبة} [المائدة: 95] يبلغ الكعبة، فهو وإن كان مضافا فمعناه التنوين، لأنه بمعنى PageEndV08P696 الاستقبال، وهو نظير قوله: {هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: 24] فوصف بقوله: {ممطرنا} [الأحقاف: 24] عارضا، لأن في {ممطرنا} [الأحقاف: 24] معنى التنوين، لأن تأويله الاستقبال، فمعناه: هذا عارض يمطرنا، فكذلك ذلك في قوله: {هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95]
#
