جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 9
ابن جرير الطبري • التفسير • ج9 ص218
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
القول في تأويل قوله تعالى: {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون} [الأنعام: 32] وهذا تكذيب من الله تعالى ذكره هؤلاء الكفار المنكرين البعث بعد الممات في قولهم {إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} [الأنعام: 29] . يقول تعالى ذكره مكذبا لهم في
قيلهم ذلك: {ما الحياة الدنيا} [آل عمران: 185] أيها الناس، {إلا لعب ولهو} [الأنعام: 32] يقول: ما باغي لذات الحياة التي أدنيت لكم وقربت منكم في داركم هذه ونعيمها وسرورها فيها، والمتلذذ بها والمنافس عليها، إلا في لعب ولهو لأنها عما قليل تزول عن المستمتع بها والمتلذذ فيها بملاذها، أو تأتيه الأيام بفجائعها وصروفها فتمر عليه وتكدر كاللاعب اللاهي الذي يسرع اضمحلال لهوه ولعبه عنه، ثم يعقبه منه ندما ويورثه منه ترحا. يقول: لا تغتروا أيها الناس بها، فإن المغتر بها عما قليل يندم. {وللدار الآخرة خير للذين يتقون} [الأنعام: 32] يقول: وللعمل بطاعته والاستعداد للدار الآخرة بالصالح من الأعمال التي تبقى منافعها لأهلها ويدوم سرور أهلها فيها، خير من الدار التي تفنى فلا يبقى لعمالها فيها سرور، ولا يدوم لهم فيها نعيم. {للذين يتقون} [الأنعام: 32] يقول: للذين يخشون الله فيتقونه بطاعته واجتناب معاصيه والمسارعة إلى رضاه. {أفلا تعقلون} [البقرة: 44] يقول: أفلا يعقل هؤلاء المكذبون بالبعث حقيقة ما نخبرهم به من أن الحياة الدنيا لعب ولهو، وهم
#
