جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 9
ابن جرير الطبري • التفسير • ج9 ص459
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103] يقول: «لا يحيط بصر أحد بالملك»
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103] ، «وهو أعظم من أن تدركه الأبصار»
حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي، في قوله: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 23] ، قال: " هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، PageEndV09P460 وبصره يحيط بهم، فذلك قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] الآية واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا: إن الله قال: {إذا أدركه الغرق قال آمنت} [يونس: 90] ، قالوا: فوصف الله تعالى ذكره الغرق بأنه أدرك فرعون، ولا شك أن الغرق غير موصوف بأنه رآه، ولا هو مما يجوز وصفه بأنه يرى شيئا. قالوا: فمعنى قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] بمعنى: لا تراه بعيدا، لأن الشيء قد يدرك الشيء ولا يراه، كما قال جل ثناؤه مخبرا عن قيل أصحاب موسى صلى الله عليه وسلم حين قرب منهم أصحاب فرعون: {فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون} [الشعراء: 61] ، لأن الله قد كان وعد نبيه موسى صلى الله عليه وسلم أنهم لا يدركون لقوله: {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى} [طه: 77] . قالوا: فإن كان الشيء قد يرى الشيء ولا يدركه، ويدركه ولا يراه، فكان معلوما بذلك أن قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] من معنى لا تراه الأبصار بمعزل، وأن معنى ذلك: لا تحيط به الأبصار، لأن الإحاطة به غير جائزة. قالوا: فالمؤمنون وأهل الجنة يرون ربهم بأبصارهم ولا تدركه أبصارهم، بمعنى: أنها لا تحيط به، إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئا يحيط به. قالوا: ونظير جواز وصفه بأنه يرى ولا يدرك جواز وصفه بأنه يعلم ولا يحاط به، وكما قال جل ثناؤه: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} [البقرة: 255] . قالوا: فنفى جل ثناؤه عن خلقه أن يكونوا يحيطون بشيء من علمه إلا بما PageEndV09P461 شاء. قالوا: ومعنى العلم في هذا الموضع: المعلوم، قالوا: فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء نفي عن أن يعلموه. قالوا: فإذا لم يكن في نفي الإحاطة بالشيء علما نفي للعلم به، كان كذلك لم يكن في نفي إدراك الله عن البصر نفي رؤيته له. قالوا: وكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علما، كذلك جائز أن يروا ربهم بأبصارهم ولا يدركوه بأبصارهم، إذ كان معنى الرؤية غير معنى الإدراك، ومعنى الإدراك غير معنى الرؤية، وأن معنى الإدراك: إنما هو الإحاطة، كما قال ابن عباس في الخبر الذي ذكرناه قبل قالوا: فإن قال لنا قائل: وما أنكرتم أن يكون معنى قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] : لا تراه الأبصار؟ قلنا له: أنكرنا ذلك لأن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه أن وجوها في القيامة إليه ناظرة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أمته أنهم سيرون ربهم يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب. قالوا: فإذ كان الله قد أخبر في كتابه بما أخبر، وحققت أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا عنه من قيله صلى الله عليه وسلم أن تأويل قوله: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22] ، أنه نظر أبصار العيون لله جل جلاله، وكان كتاب الله يصدق بعضه بعضا، وكان مع ذلك غير جائز أن يكون أحد هذين الخبرين ناسخا للآخر، إذ كان غير جائز في الأخبار لما قد بينا في كتابنا: (كتاب لطيف البيان عن أصول الأحكام) وغيره، علم أن معنى قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] غير معنى قوله: {وجوه يومئذ PageEndV09P462 ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22] ، فإن أهل الجنة ينظرون بأبصارهم يوم القيامة إلى الله ولا يدركونه بها، تصديقا لله في كلا الخبرين، وتسليما لما جاء به تنزيله على ما جاء به في السورتين. وقال آخرون: معنى ذلك: لا تراه الأبصار، وهو يرى الأبصار
#
