جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 9
ابن جرير الطبري • التفسير • ج9 ص613
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
وبه عن سفيان، عن مغيرة، عن شباك، عن إبراهيم قال: «نسختها العشر ونصف العشر»
حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، أما: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] «فكانوا إذا مر بهم أحد يوم الحصاد أو الجداد أطعموه منه، فنسخها الله عنهم بالزكاة، وكان فيما أنبتت الأرض العشر ونصف العشر»
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن، قال: «كانوا يرضخون لقرابتهم من المشركين»
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «نسخه العشر ونصف العشر، كانوا يعطون إذا حصدوا وإذا PageEndV09P611 ذروا، فنسختها العشر ونصف العشر» وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: كان ذلك فرضا فرضه الله على المؤمنين في طعامهم وثمارهم التي تخرجها زروعهم وغروسهم، ثم نسخه الله بالصدقة المفروضة، والوظيفة المعلومة من العشر ونصف العشر، وذلك أن الجميع مجمعون لا خلاف بينهم أن صدقة الحرث لا تؤخذ إلا بعد الدياس والتنقية والتذرية، وأن صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجفاف. فإذا كان ذلك كذلك، وكان قوله جل ثناؤه: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ينبئ عن أنه أمر من الله جل ثناؤه بإيتاء حقه يوم حصاده، وكان يوم حصاده هو يوم جده وقطعه، والحب لا شك أنه في ذلك اليوم في سنبله، والثمر وإن كان ثمر نخل أو كرم غير مستحكم جفوفه ويبسه، وكانت الصدقة من الحب إنما تؤخذ بعد دياسه وتذريته وتنقيته كيلا، والتمر إنما تؤخذ صدقته بعد استحكام يبسه وجفوفه كيلا، علم أن ما يؤخذ صدقة بعد حين حصده غير الذي يجب إيتاؤه المساكين يوم حصاده. فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون ذلك إيجابا من الله في المال حقا سوى الصدقة المفروضة؟ قيل: لأنه لا يخلو أن يكون ذلك فرضا واجبا أو نفلا، PageEndV09P612 فإن يكن فرضا واجبا فقد وجب أن يكون سبيله سبيل الصدقات المفروضات التي من فرط في أدائها إلى أهلها كان بربه آثما ولأمره مخالفا، وفي قيام الحجة بأن لا فرض لله في المال بعد الزكاة يجب وجوب الزكاة سوى ما يجب من النفقة لمن يلزم المرء نفقته ما ينبئ عن أن ذلك ليس كذلك. أو يكون ذلك نفلا، فإن يكن ذلك كذلك فقد وجب أن يكون الخيار في إعطاء ذلك إلى رب الحرث والثمر، وفي إيجاب القائلين بوجوب ذلك ما ينبئ عن أن ذلك ليس كذلك. وإذا خرجت الآية من أن يكون مرادا بها الندب، وكان غير جائز أن يكون لها مخرج في وجوب الفرض بها في هذا الوقت، علم أنها منسوخة. ومما يؤيد ما قلنا في ذلك من القول دليل على صحته، أنه جل ثناؤه أتبع قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأنعام: 141] ، ومعلوم أن من حكم الله في عباده مذ فرض في أموالهم الصدقة المفروضة المؤقتة القدر، أن القائم بأخذ ذلك ساستهم ورعاتهم. وإذا كان ذلك كذلك، فما وجه نهي رب المال عن الإسراف في إيتاء ذلك، والآخذ مجبر، وإنما يأخذ الحق الذي فرض الله فيه؟ فإن ظن ظان أن ذلك إنما هو نهي من الله القيم بأخذ ذلك من الرعاة عن التعدي في مال رب المال والتجاوز إلى أخذ ما لم يبح له أخذه، فإن آخر الآية، وهو قوله: {ولا تسرفوا} [الأنعام: 141] معطوف على أوله وهو قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ، فإن كان المنهي عن الإسراف القيم بقبض ذلك، فقد يجب أن يكون المأمور بإتيانه المنهي عن الإسراف فيه، وهو السلطان. PageEndV09P613 وذلك قول إن قاله قائل، كان خارجا من قول جميع أهل التأويل ومخالفا المعهود من الخطاب، وكفى بذلك شاهدا على خطئه. فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معنى قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] : وآتوا حقه يوم كيله، لا يوم قصله وقطعه، ولا يوم جداده وقطافه، فقد علمت من قال ذلك من أهل التأويل؟ وذلك ما
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «يوم كيله»
وحدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن الحجاج، عن سالم المكي، عن محمد ابن الحنفية، قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «يوم كيله يعطي العشر ونصف العشر» مع آخرين، قد ذكرت الرواية فيما مضى عنهم بذلك؟ قيل: لأن يوم كيله غير يوم حصاده. ولن يخلو معنى قائلي هذا القول من أحد أمرين: إما أن يكونوا وجهوا معنى الحصاد إلى معنى الكيل، فذلك ما لا يعقل في كلام العرب، لأن الحصاد والحصد في كلامهم الجد والقطع، لا الكيل. أو يكونوا وجهوا تأويل قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] إلى وآتوا حقه بعد PageEndV09P614 يوم حصاده إذا كلتموه. فذلك خلاف ظاهر التنزيل، وذلك أن الأمر في ظاهر التنزيل بإيتاء الحق منه يوم حصاده لا بعد يوم حصاده. ولا فرق بين قائل: إنما عنى الله بقوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] بعد يوم حصاده، وآخر قال: عنى بذلك قبل يوم حصاده، لأنهما جميعا قائلان قولا دليل ظاهر التنزيل بخلافه
#
