جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 11
ابن جرير الطبري • التفسير • ج11 ص157
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، والحسن البصري، قالا: " قال في الأنفال: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] فنسختها الآية التي تليها: {وما لهم ألا يعذبهم الله} [الأنفال: 34] إلى قوله: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [آل عمران: 106] فقوتلوا بمكة، وأصابهم فيها الجوع والحصر " وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب قول من قال: تأويله: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم يا محمد وبين أظهرهم مقيم، حتى أخرجك من بين أظهرهم؛ لأني لا أهلك قرية وفيها نبيها. وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون من ذنوبهم وكفرهم، ولكنهم لا يستغفرون من ذلك، بل هم مصرون عليه، فهم للعذاب مستحقون، كما يقال: ما كنت لأحسن إليك وأنت تسيء إلي، يراد بذلك: لا أحسن إليك إذا أسأت إلي ولو أسأت إلي لم أحسن إليك، ولكن أحسن إليك لأنك لا تسيء إلي، وكذلك ذلك. ثم قيل: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام} [الأنفال: 34] بمعنى: وما شأنهم وما يمنعهم أن يعذبهم الله وهم لا يستغفرون الله من كفرهم فيؤمنوا به، وهم يصدون المؤمنين بالله ورسوله عن المسجد الحرام. وإنما قلنا: هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب؛ لأن القوم أعني PageEndV11P158 مشركي مكة كانوا استعجلوا العذاب، فقالوا: اللهم إن كان ما جاء به محمد هو الحق، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فقال الله لنبيه: ما كنت لأعذبهم وأنت فيهم وما كنت لأعذبهم لو استغفروا، وكيف لا أعذبهم بعد إخراجك منهم وهم يصدون عن المسجد الحرام، فأعلمه جل ثناؤه أن الذين استعجلوا العذاب حائق بهم ونازل، وأعلمهم حال نزوله بهم، وذلك بعد إخراجه إياه من بين أظهرهم. ولا وجه لإيعادهم العذاب في الآخرة، وهم مستعجلوه في العاجل، ولا شك أنهم في الآخرة إلى العذاب صائرون، بل في تعجيل الله لهم ذلك يوم بدر الدليل الواضح على أن القول في ذلك ما قلنا. وكذلك لا وجه لقول من وجه قوله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] إلى أنه عنى به المؤمنين، وهو في سياق الخبر عنهم وعما الله فاعل بهم، ولا دليل على أن الخبر عنهم قد تقضى، وعلى أن ذلك به عنوا، ولا خلاف في تأويله من أهله موجود. وكذلك أيضا لا وجه لقول من قال: ذلك منسوخ بقوله: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام} [الأنفال: 34] الآية؛ لأن قوله جل ثناؤه: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] خبر، والخبر لا يجوز أن يكون فيه نسخ، وإنما يكون النسخ للأمر والنهي. واختلف أهل العربية في وجه دخول «أن» في قوله: {وما لهم ألا يعذبهم PageEndV11P159 الله} [الأنفال: 34] فقال بعض نحويي البصرة: هي زائدة هاهنا، وقد عملت كما عملت لا وهي زائدة، وجاء في الشعر: [البحر البسيط]
لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها ... إلي لام ذوو أحسابها عمرا
وقد أنكر ذلك من قوله بعض أهل العربية، وقال: لم تدخل «أن» إلا لمعنى صحيح؛ لأن معنى {وما لهم} [الأنفال: 34] ما يمنعهم من أن يعذبوا، قال: فدخلت «أن» لهذا المعنى، وأخرج ب لا، ليعلم أنه بمعنى الجحد؛ لأن المنع جحد. قال: ولا في البيت صحيح معناها؛ لأن الجحد إذا وقع عليه جحد صار خبرا. وقال: ألا ترى إلى قولك: ما زيد ليس قائما، فقد أوجبت القيام؟ قال: وكذلك لا في هذا البيت
#
