جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 11
ابن جرير الطبري • التفسير • ج11 ص394
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
وكنتم أذلة فأعزكم الله، فقد علمت العرب ما كان حي من أحياء العرب أمنع لما وراء ظهورهم منا، فقال الرسول: «يا سعد أتدري من تكلم؟» فقال: نعم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو سلكت الأنصار واديا والناس واديا لسلكت وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار» . وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الأنصار كرشي وعيبتي، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الأنصار أما ترضون أن ينقلب الناس بالإبل والشاء، وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم؟» فقالت الأنصار: رضينا عن الله ورسوله، والله ما قلنا ذلك إلا حرصا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم»
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته أو ظئره من بني سعد بن بكر أتته فسألته سبايا يوم حنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لا أملكهم وإنما لي منهم نصيبي، ولكن ائتيني غدا فسليني والناس عندي، فإني إذا أعطيتك نصيبي أعطاك الناس» فجاءت الغد فبسط لها ثوبا، فقعدت عليه، ثم سألته، فأعطاها نصيبه، فلما رأى ذلك الناس أعطوها أنصباءهم "
حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة} [التوبة: 25] الآية: إن رجلا من أصحاب PageEndV11P390 رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قال: يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلة، وأعجبته كثرة الناس، وكانوا اثني عشر ألفا. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوكلوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير العباس وأبي سفيان بن الحارث وأيمن ابن أم أيمن، قتل يومئذ بين يديه. فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين الأنصار؟ أين الذين بايعوا تحت الشجرة؟» فتراجع الناس، فأنزل الله الملائكة بالنصر، فهزموا المشركين يومئذ، وذلك قوله: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها} [التوبة: 26] الآية
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن كثير بن عباس بن عبد المطلب، عن أبيه، قال: لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركون، فولى المسلمون يومئذ، قال: فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما معه أحد إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، آخذا بغرز النبي صلى الله عليه وسلم، لا يألو ما أسرع نحو المشركين. قال: فأتيت حتى أخذت بلجامه وهو على بغلة له شهباء، فقال: «يا عباس ناد أصحاب السمرة» وكنت رجلا صيتا، فأذنت بصوتي الأعلى: أين أصحاب السمرة؟ فالتفتوا كأنها الإبل إذا حنت إلى أولادها، يقولون: يا لبيك يا لبيك يا لبيك، وأقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون، وتنادت الأنصار: يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج، فتنادوا: يا بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم، فقال: «هذا حين حمي الوطيس» . ثم أخذ بيده من PageEndV11P391 الحصباء فرماهم بها، ثم قال: «انهزموا ورب الكعبة، انهزموا ورب الكعبة» قال: فوالله ما زال أمرهم مدبرا وحدهم كليلا حتى هزمهم الله. قال: فلكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض خلفهم على بغلته
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبي، ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك، فقالوا: يا رسول الله، أنت خير الناس، وأبر الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن عندي من ترون، وإن خير القول أصدقه، اختاروا إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم» قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن هؤلاء قد جاءوني مسلمين، وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئا، فمن كان بيده منهم شيء فطابت نفسه أن يرده فليفعل ذلك، ومن لا فليعطنا، وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه» فقالوا: يا نبي الله رضينا وسلمنا. فقال: «إني لا أدري، لعل منكم من لا يرضى، فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا» فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا وسلموا
حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا يعلى بن عطاء، عن أبي همام، عن أبي عبد الرحمن، يعني الفهري، قال: كنت مع PageEndV11P392 النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين، فلما ركدت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي، حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ظل شجرة، فقلت: يا رسول الله قد حان الرواح، فقال: «أجل» فنادى: «يا بلال يا بلال» فقام بلال من تحت سمرة، فأقبل كأن ظله ظل طير، فقال: لبيك وسعديك، ونفسي فداؤك يا رسول الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أسرج فرسي» فأخرج سرجا دفتاه حشوهما ليف، ليس فيهما أشر ولا بطر. قال: فركب النبي صلى الله عليه وسلم، فصاففناهم يومنا وليلتنا، فلما التقى الخيلان ولى المسلمون مدبرين، كما قال الله، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عباد الله، يا معشر المهاجرين» قال: ومال النبي صلى الله عليه وسلم عن فرسه، فأخذ حفنة من تراب فرمى بها وجوههم، فولوا مدبرين. قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بقي منا أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، وسأله رجل من قيس: فررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ فقال البراء: «لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، وكانت هوازن يومئذ رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، وهو PageEndV11P393 يقول» أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب "
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: سأله رجل: يا أبا عمارة، وليتم يوم حنين؟ فقال البراء وأنا أسمع: أشهد أن رسول الله لم يول يومئذ دبره، وأبو سفيان يقود بغلته، فلما غشيه المشركون نزل فجعل يقول: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» فما رئي يومئذ أحد من الناس كان أشد منه
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني جعفر بن سليمان، عن عوف الأعرابي، عن عبد الرحمن مولى أم برثن، قال: ثني رجل كان من المشركين يوم حنين، قال: " لما التقينا نحن وأصحاب محمد عليه الصلاة والسلام لم يقفوا لنا حلب شاة أن كشفناهم. فبينا نحن نسوقهم، إذ انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء، فتلقانا رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، فرجعنا، وركبنا القوم فكانت إياها "
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: " PageEndV11P394 أمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم يوم حنين بخمسة آلاف من الملائكة مسومين قال: ويومئذ سمى الله الأنصار مؤمنين. قال: {أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها} [التوبة: 26] "
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا} [التوبة: 25] قال: كانوا اثني عشر ألفا "
حدثنا محمد بن يزيد الآدمي، قال: ثنا معن بن عيسى، عن سعيد بن السائب الطائفي، عن أبيه، عن يزيد بن عامر، قال: لما كانت انكشافة المسلمين حين انكشفوا يوم حنين، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم يده إلى الأرض، فأخذ منها قبضة من تراب، فأقبل بها على المشركين وهم يتبعون المسلمين، فحثاها في وجوهم وقال: «ارجعوا شاهت الوجوه» قال: فانصرفنا ما يلقى أحد أحدا إلا وهو يمسح القذى عن عينيه
#
