جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 12
ابن جرير الطبري • التفسير • ج12 ص147
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين} [يونس: 22] يقول تعالى ذكره: الله الذي يسيركم أيها الناس في البر على الظهر وفي البحر في الفلك {حتى إذا كنتم في الفلك} [يونس: 22] وهي السفن، {وجرين بهم} [يونس: 22] يعني: وجرت الفلك بالناس، {بريح طيبة} [يونس: 22] في البحر، {وفرحوا بها} [يونس: 22] يعني: وفرح ركبان الفلك بالريح الطيبة التي يسيرون بها. والهاء في قوله: «بها» عائدة على الريح الطيبة {جاءتها ريح عاصف} [يونس: 22] يقول: جاءت الفلك ريح عاصف، وهي الشديدة، والعرب تقول: ريح عاصف وعاصفة، وقد أعصفت الريح وعصفت وأعصفت في بني أسد فيما ذكر، قال بعض بني دبير: [البحر البسيط]
حتى إذا أعصفت ريح مزعزعة ... فيها قطار ورعد صوته زجل
{وجاءهم الموج من كل مكان} [يونس: 22] يقول تعالى ذكره: وجاء ركبان السفينة الموج من كل مكان {وظنوا أنهم أحيط بهم} [يونس: 22] يقول: وظنوا أن الهلاك قد أحاط بهم وأحدق {دعوا الله مخلصين له الدين} [يونس: 22] يقول: أخلصوا الدعاء لله هنالك دون أوثانهم وآلهتهم، وكان مفزعهم حينئذ إلى الله دونها. كما
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: " {دعوا الله مخلصين له الدين} [يونس: 22] قال: إذا مسهم الضر في البحر PageEndV12P147 أخلصوا له الدعاء "
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، في قوله: " {مخلصين له الدين} [يونس: 22] هيا شرا هيا، تفسيره: يا حي يا قوم "
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم} [يونس: 21] . إلى آخر الآية، قال: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا كان الضر لم يدعو إلا الله، فإذا نجاهم إذا هم يشركون لئن أنجيتنا من هذه الشدة التي نحن فيها لنكونن من الشاكرين لك على نعمك وتخليصك إيانا مما نحن فيه بإخلاصنا العبادة لك وإفراد الطاعة دون الآلهة والأنداد " واختلفت القراء في قراءة قوله: {هو الذي يسيركم} [يونس: 22] فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق: " {هو الذي يسيركم} [يونس: 22] " من السير بالسين وقرأ ذلك أبو جعفر القاري: «هو الذي ينشركم» من النشر، وذلك البسط من قول القائل: نشرت الثوب، وذلك بسطه ونشره من طيه، فوجه أبو جعفر معنى ذلك إلى أن الله يبعث عباده، فيبسطهم برا وبحرا، وهو قريب المعنى من التسيير.
#
