جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 12
ابن جرير الطبري • التفسير • ج12 ص152
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
نابته قائمة على الأرض قبل ذلك بالأمس، وأصله: من غني فلان بمكان كذا، يغنى به: إذا أقام به، كما قال النابغة الذبياني: [البحر الكامل]
غنيت بذلك إذ هم لي جيرة ... منها بعطف رسالة وتودد
يقول: فكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من دنياكم وزخارفها، فيفنيها ويهلكها كما أهلك أمرنا وقضاؤنا نبات هذه الأرض بعد حسنها وبهجتها حتى صارت {كأن لم تغن بالأمس} [يونس: 24] كأن لم تكن قبل ذلك نباتا على ظهرها. يقول الله جل ثناؤه: {كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} [يونس: 24] يقول: كما بينا لكم أيها الناس مثل الدنيا وعرفناكم حكمها وأمرها، كذلك نبين حججنا وأدلتنا لمن تفكر واعتبر ونظر. وخص به أهل الفكر، لأنهم أهل التمييز بين الأمور والفحص عن حقائق ما يعرض من الشبه في الصدور وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} [يونس: 24] . . الآية: أي والله لئن تشبث بالدنيا وحدب عليها لتوشكن PageEndV12P152 الدنيا أن تلفظه وتقضي منه "
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {وازينت} [يونس: 24] قال: أنبتت وحسنت "
حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: سمعت مروان، يقرأ على المنبر هذه الآية: " {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها} [يونس: 24] وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها. قال: قد قرأتها، وليست في المصحف، فقال عباس بن عبد الله بن العباس: هكذا يقرؤها ابن عباس. فأرسلوا إلى ابن عباس فقال: هكذا أقرأني أبي بن كعب "
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {كأن لم تغن بالأمس} [يونس: 24] يقول: كأن لم تعش، كأن لم تنعم "
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: أبو أسامة، عن إسماعيل، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن، يقول في قراءة أبي: " {كأن لم تغن بالأمس} [يونس: 24] وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها {كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} [يونس: 24] " PageEndV12P153 واختلفت القراء في قراءة قوله: {وازينت} [يونس: 24] فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والعراق: {وازينت} [يونس: 24] بمعنى: وتزينت، ولكنهم أدغموا التاء في الزاي لتقارب مخرجيهما، وأدخلوا ألفا ليوصل إلى قراءته، إذا كانت التاء قد سكنت، والساكن لا يبتدأ به. وحكي عن أبي العالية وأبي رجاء والأعرج وجماعة أخر غيرهم أنهم قرءوا ذلك: «وأزينت» على مثال أفعلت. والصواب من القراءة في ذلك: {وازينت} [يونس: 24] لإجماع الحجة من القراء عليها
#
