شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 12

ابن جرير الطبري • التفسير • ج12 ص322

تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

القول في تأويل قوله تعالى: {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور} [هود: 5] اختلف القراء في قراءة قوله: {ألا إنهم يثنون صدورهم} [هود: 5] فقرأته عامة الأمصار: {ألا إنهم يثنون صدورهم} [هود: 5] على تقدير يفعلون من «ثنيت» ،

والصدور منصوبة. واختلفت قارئو ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم: ذلك كان من فعل بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم غطى وجهه وثنى ظهره ذكر من قال ذلك

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن حصين، عن عبد الله بن شداد، في قوله: " {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم} [هود: 5] قال: كان أحدهم إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال بثوبه على وجهه، وثنى ظهره "

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عبد الله بن شداد بن الهاد. قوله: " {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه} [هود: 5] قال: من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان المنافقون إذا مروا به ثنى أحدهم صدره ويطأطئ رأسه، فقال الله: {ألا إنهم يثنون صدورهم} [هود: 5] الآية "

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن حصين، قال: سمعت عبد الله بن شداد يقول، في قوله: " {يثنون صدورهم} [هود: 5] قال: كان أحدهم إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم ثنى صدره، وتغشى بثوبه كي لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم " وقاله آخرون: بل كانوا يفعلون ذلك جهلا منهم بالله وظنا أن الله يخفى عليه، ما تضمره صدورهم إذا فعلوا ذلك. ذكر من قال ذلك

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {يثنون صدورهم} [هود: 5] قال: شكا وامتراء في الحق، ليستخفوا من الله إن استطاعوا "

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {يثنون صدورهم} [هود: 5] شكا وامتراء في الحق. {ليستخفوا منه} [هود: 5] قال: من الله إن استطاعوا "

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن PageEndV12P318 مجاهد: " {يثنون صدورهم} [هود: 5] قال: تضيق شكا "

حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {يثنون صدورهم} [هود: 5] قال: تضيق شكا وامتراء في الحق، قال: {ليستخفوا منه} [هود: 5] قال: من الله إن استطاعوا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: " {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم} [هود: 5] قال: من جهالتهم به، قال الله: {ألا حين يستغشون ثيابهم} [هود: 5] في ظلمة الليل في أجوف بيوتهم، {يعلم} [هود: 5] تلك الساعة {ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور} [هود: 5] "

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين: " {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم} [هود: 5] قال: كان أحدهم يحني ظهره ويستغشي بثوبه " وقال آخرون: إنما كانوا يفعلون ذلك لئلا يسمعوا كلام الله تعالى. PageEndV12P319 ذكر من قال ذلك

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {ألا إنهم يثنون صدورهم} [هود: 5] الآية، قال: كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله، قال تعالى: {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون} [هود: 5] وذلك أخفى ما يكون ابن آدم إذا حنى صدره واستغشى بثوبه، وأضمر همه في نفسه، فإن الله لا يخفى ذلك عليه "

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {يستغشون ثيابهم} [هود: 5] قال: أخفى ما يكون الإنسان إذا أسر في نفسه شيئا، وتغطى بثوبه، فذلك أخفى ما يكون، والله يطلع على ما في نفوسهم، والله يعلم ما يسرون وما يعلنون " وقال آخرون: إنما هذا إخبار من الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن المنافقين الذين كانوا يضمرون له العداوة والبغضاء، ويبدون له المحبة والمودة، وأنهم معه وعلى دينه. يقول جل ثناؤه: ألا إنهم يطوون صدورهم على الكفر ليستخفوا من الله، ثم أخبر جل ثناؤه أنه لا يخفى عليه سرائرهم وعلانيتهم وقال آخرون: كانوا يفعلون ذلك إذا ناجى بعضهم بعضا PageEndV12P320 ذكر من قال ذلك

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه} [هود: 5] قال: هذا حين يناجي بعضهم بعضا. وقرأ: {ألا حين يستغشون ثيابهم} [هود: 5] الآية وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك: «وألا إنهم تثنوني صدورهم» على مثال: تحلولي التمرة: تفعوعل

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال: سمعت ابن عباس يقرأ: «ألا إنهم تثنوني صدورهم» قال: كانوا لا يأتون النساء ولا الغائط إلا وقد تغشوا بثيابهم كراهة أن يفضوا بفروجهم إلى السماء "

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر، يقول: سمعت ابن عباس، يقرؤها: «ألا إنهم تثنوني صدورهم» قال: سألته عنها، فقال: كان ناس يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يصيبوا فيفضوا إلى السماء " PageEndV12P321 وروي عن ابن عباس في تأويل ذلك قول آخر، وهو ما

حدثنا به، محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: أخبرت عن عكرمة، أن ابن عباس، قرأ «ألا إنهم تثنوني صدورهم» وقال ابن عباس: تثنوني صدورهم: الشك في الله وعمل السيئات. {يستغشون ثيابهم} [هود: 5] يستكبر، أو يستكن من الله والله يراه، {يعلم ما يسرون وما يعلنون} [هود: 5] "

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قرأ: «ألا إنهم تثنوني صدورهم» قال عكرمة: تثنوني صدورهم، قال: الشك في الله وعمل السيئات، فيستغشي ثيابه ويستكن من الله، والله يعلم ما يسرون وما يعلنون " والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار، وهو: {ألا إنهم يثنون صدورهم} [هود: 5] على مثال «يفعلون» ، والصدور نصب بمعنى: يحنون صدورهم ويكنونها. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {يثنون صدورهم} [هود: 5] يقول: يكنون "

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن PageEndV12P322 أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {ألا إنهم يثنون صدورهم} [هود: 5] يقول: يكتمون ما في قلوبهم. {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم} [هود: 5] ما عملوا بالليل والنهار "

حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {ألا إنهم يثنون صدورهم} [هود: 5] يقول: تثنوني صدورهم " وهذا التأويل الذي تأوله الضحاك على مذهب قراءة ابن عباس، إلا أن الذي حدثنا هكذا ذكر القراءة في الرواية. فإذا كانت القراءة التي ذكرنا أولى القراءتين في ذلك بالصواب لإجماع الحجة من القراء عليها. فأولى التأويلات بتأويل ذلك، تأويل من قال: إنهم كانوا يفعلون ذلك جهلا منهم بالله أنه يخفى عليه ما تضمره نفوسهم أو تناجوه بينهم. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن قوله: {ليستخفوا منه} [هود: 5] بمعنى: ليستخفوا من الله، وأن الهاء في قوله: {منه} [هود: 5] عائدة على اسم الله، ولم يجر لمحمد ذكر قبل. فيجعل من ذكره صلى الله عليه وسلم، وهي في سياق الخبر عن الله. فإذا كان ذلك كذلك كانت بأن تكون من ذكر الله أولى. وإذا صح أن ذلك كذلك، كان معلوما أنهم لم يحدثوا أنفسهم أنهم يستخفون من الله إلا بجهلهم به، فلما أخبرهم جل ثناؤه أنه لا يخفى عليه سر أمورهم وعلانيتها على أي حال كانوا

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية