شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 12

ابن جرير الطبري • التفسير • ج12 ص400

تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

نوح أن اضرب بين عيني الأسد فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبلا على الفأر، فقال له عيسى: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت، قال: ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت، قال: فطوقها الخضرة التي في عنقها، ودعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت. قال: فقلنا يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا، فيجلس معنا، ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال: فقال له: عد بإذن الله، قال: فعاد ترابا "

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم عن عبيد بن عمير الليثي، أنه كان يحدث: " أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون به يعني قوم نوح فيخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون حتى إذا تمادوا في المعصية، وعظمت في الأرض منهم الخطيئة، وتطاول عليه وعليهم الشأن، واشتد عليه منهم البلاء، وانتظر النجل بعد النجل، فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من القرن الذي قبله، حتى إن كان الآخر منهم ليقول: قد كان هذا مع آبائنا، ومع أجدادنا هكذا مجنونا لا يقبلون منه شيئا. حتى شكا ذلك من أمرهم نوح إلى الله تعالى، كما قص الله علينا في كتابه: {رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا} [نوح: 6] إلى آخر القصة، حتى قال {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا PageEndV12P397 فاجرا كفارا} [نوح: 26] إلى آخر القصة. فلما شكا ذلك منهم نوح إلى الله واستنصره عليهم، أوحى الله إليه {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا} [هود: 37] أي بعد اليوم، {إنهم مغرقون} [هود: 37] فأقبل نوح على عمل الفلك، ولهى عن قومه، وجعل يقطع الخشب، ويضرب الحديد، ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره مما لا يصلحه إلا هو. وجعل قومه يمرون به وهو في ذلك من عمله، فيسخرون منه ويستهزئون به، فيقول: {إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم} [هود: 38] قال: ويقولون له فيما بلغني: يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة قال: وأعقم الله أرحام النساء، فلا يولد لهم ولد. قال: ويزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج، وأن يصنعه أزور، وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعا، وأن يجعله ثلاثة أطباق: سفلا ووسطا وعلوا، وأن يجعل فيه كوى. ففعل نوح كما أمره الله، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه إذا جاء أمرنا وفار التنور، فاحمل فيها من كل زوجين اثنين، وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن، وما آمن معه إلا قليل، وقد جعل التنور آية فيما بينه وبينه فقال {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين} [هود: 40] واركب. فلما فار التنور حمل نوح في الفلك من أمره الله، وكانوا قليلا كما قال الله، وحمل فيها من كل زوجين اثنين مما فيه الروح والشجر ذكر وأنثى، [ص : 398] فحمل فيه بنيه الثلاثة: سام وحام ويافت ونساءهم، وستة أناس ممن كان آمن به، فكانوا عشرة نفر: نوح وبنوه وأزواجهم، ثم أدخل ما أمره به من الدواب وتخلف عنه ابنه يام، وكان كافرا "

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: سمعته يقول: " كان أول ما حمل نوح في الفلك من الدواب الدرة، وآخر ما حمل الحمار؛ فلما دخل الحمار، وأدخل صدره مسك إبليس بذنبه، فلم تستقل رجلاه، فجعل نوح يقول: ويحك ادخل فينهض فلا يستطيع. حتى قال نوح: ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك قال: كلمة زلت عن لسانه. فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله، فدخل ودخل الشيطان معه، فقال له نوح: ما أدخلك علي يا عدو الله؟ فقال: ألم تقل: ادخل وإن كان الشيطان معك؟ قال: اخرج عني يا عدو الله فقال: ما لك بد من أن تحملني. فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك. فلما اطمأن نوح في الفلك، وأدخل فيه من آمن به، وكان ذلك في الشهر من السنة PageEndV12P399 التي دخل فيها نوح بعد ست مئة سنة من عمره لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر؛ فلما دخل وحمل معه من حمل، تحرك ينابيع الغوط الأكبر، وفتح أبواب السماء، كما قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر} [القمر: 12] فدخل نوح ومن معه الفلك وغطاه عليه وعلى من معه بطبقة، فكان بين أن أرسل الله الماء وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون يوما وأربعون ليلة. ثم احتمل الماء كما تزعم أهل التوراة، وكثر الماء واشتد وارتفع؛ يقول الله لمحمد: {وحملناه على ذات ألواح ودسر} [القمر: 13] والدسر: المسامير، مسامير الحديد. فجعلت الفلك تجري به وبمن معه في موج كالجبال ونادى نوح ابنه الذي هلك فيمن هلك، وكان في معزل حين رأى نوح من صدق موعد ربه ما رأى فقال: {يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين} [هود: 42] وكان شقيا قد أضمر كفرا، {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} [هود: 43] وكان عهد الجبال وهي حرز من الأمطار إذا كانت، فظن أن ذلك كما كان يعهد. قال نوح: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين} [هود: 43] وكثر الماء حتى طغى وارتفع فوق الجبال كما تزعم أهل التوراة بخمسة عشر ذراعا، فباد ما على وجه الأرض من الخلق من كل شيء فيه الروح أو شجر، فلم يبق شيء من الخلائق إلا نوح ومن معه في الفلك، وإلا عوج بن عنق فيما يزعم أهل الكتاب. فكان بين أن أرسل الله الطوفان، وبين أن غاض الماء ستة PageEndV12P400 أشهر وعشر ليال "

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جدعان، قال ابن حميد، قال سلمة؛ وحدثني حسن بن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، قال: سمعته يقول: «لما آذى نوحا في الفلك عذرة الناس، أمر أن يمسح ذنب الفيل، فمسحه، فخرج منه خنزيران، وكفي ذلك عنه. وإن الفأر توالدت في الفلك، فلما آذته، أمر أن يأمر الأسد يعطس، فعطس فخرج من منخريه هران يأكلان عنه الفأر»

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: «لما كان نوح في السفينة، قرض الفأر حبال السفينة، فشكا نوح، فأوحى الله إليه فمسح ذنب الأسد فخرج سنوران. وكان في السفينة عذرة، فشكا ذلك إلى ربه، فأوحى الله إليه، فمسح ذنب الفيل، فخرج خنزيرا» حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، قال: ثنا الأسود بن عامر، قال: أخبرنا سفيان بن سعيد، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، بنحوه

حدثت عن المسيب عن أبي روق، عن الضحاك، قال: قال سليمان القراسي: «عمل نوح السفينة في أربع مئة سنة، وأنبت الساج أربعين سنة حتى PageEndV12P401 كان طوله أربع مائة ذراع، والذراع إلى المنكب»

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية