جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 12
ابن جرير الطبري • التفسير • ج12 ص476
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
القول في تأويل قوله تعالى: {وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} يقول تعالى ذكره: {وامرأته} [هود: 71] سارة بنت هاران بن ناحور بن ساروج بن PageEndV12P473 راعو بن فالغ، وهي ابنة عم إبراهيم. {قائمة} [آل عمران: 113] قيل: كانت قائمة من وراء الستر تستمع كلام الرسل، وكلام إبراهيم عليه السلام. وقيل: كانت قائمة تخدم الرسل، وإبراهيم جالس مع الرسل، وقوله: {فضحكت} [هود: 71] اختلف أهل التأويل في معنى قوله {فضحكت} [هود: 71] وفي السبب الذي من أجله ضحكت، فقال بعضهم: ضحكت الضحك المعروف تعجبا من أنها وزوجها إبراهيم يخدمان ضيفانهم بأنفسهما تكرمة لهم، وهم عن طعامهم ممسكون لا يأكلون ذكر من قال ذلك:
حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط، أقبلت تمشي في صورة رجال شباب، حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه، فلما رآهم إبراهيم أجلهم فراغ إلى أهله، فجاء بعجل سمين، فذبحه، ثم شواه في الرضف، فهو الحنيذ حين شواه. وأتاهم فقعد معهم، وقامت سارة تخدمهم، فذلك حين يقول: {وامرأته قائمة} [هود: 71] وهو جالس. في قراءة ابن مسعود " فلما قربه إليهم قال: ألا تأكلون " قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن قال: فإن لهذا ثمنا. قالوا: وما ثمنه؟ قال: PageEndV12P474 تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره. فنظر جبرئيل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا. {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه} [هود: 70] يقول: لا يأكلون، فزع منهم وأوجس منهم خيفة؛ فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم، ضحكت وقالت: عجبا لأضيافنا هؤلاء، إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم، وهم لا يأكلون طعامنا " وقال آخرون: بل ضحكت من أن قوم لوط في غفلة، وقد جاءت رسل الله لهلاكهم ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «لما أوجس إبراهيم خيفة في نفسه حدثوه عند ذلك بما جاءوا فيه، فضحكت امرأته وعجبت من أن قوما أتاهم العذاب، وهم في غفلة، فضحكت من ذلك وعجبت، فبشرناها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب»
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، أنه قال: «ضحكت تعجبا مما فيه قوم لوط من الغفلة ومما أتاهم من العذاب» وقال آخرون: بل ضحكت ظنا منها بهم أنهم يريدون عمل قوم لوط PageEndV12P475 ذكر من قال ذلك ذلك:
حدثنا الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو معشر، عن محمد بن قيس، في قوله: " {وامرأته قائمة فضحكت} [هود: 71] قال: لما جاءت الملائكة ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط " وقال آخرون: بل ضحكت لما رأت بزوجها إبراهيم من الروع ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الكلبي، " {فضحكت} [هود: 71] قال: ضحكت حين راعوا إبراهيم مما رأت من الروع بإبراهيم " وقال آخرون: بل ضحكت حين بشرت بإسحاق، تعجبا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها ذكر من قال ذلك:
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد أنه سمع وهب بن منبه يقول: " لما أتى الملائكة إبراهيم عليه السلام فرآهم، راعه هيئتهم وجمالهم، فسلموا عليه، وجلسوا إليه، فقام فأمر بعجل سمين، فحنذ له، PageEndV12P476 فقرب إليهم الطعام، فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم، وأوجس منهم خيفة، وسارة وراء البيت تسمع؛ قالوا: لا تخف إنا نبشرك بغلام حليم مبارك وبشر به امرأته سارة، فضحكت، وعجبت كيف يكون لي ولد وأنا عجوز، وهو شيخ كبير فقالوا: أتعجبين من أمر الله؟ فإنه قادر على ما يشاء، فقد وهبه الله لكم فأبشروا به " وقد قال بعض من كان يتأول هذا التأويل: إن هذا من المقدم الذي معناه التأخير، وكان معنى الكلام عنده: وامرأته قائمة، فبشرناها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فضحكت وقالت: {يا ويلتى أألد وأنا عجوز} [هود: 72] وقال آخرون: بل معنى قوله: «فضحكت» في هذا الموضع: فحاضت ذكر من قال ذلك:
حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن علي بن هارون، عن عمرو بن الأزهر، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: " {فضحكت} [هود: 71] قال: حاضت، وكانت ابنة بضع وتسعين سنة، قال: وكان إبراهيم ابن مائة سنة "
#
