جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 12
ابن جرير الطبري • التفسير • ج12 ص539
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط} [هود: 84] يقول تعالى ذكره: {و} [الحجر: 50] أرسلنا {إلى} [البقرة: 14] ولد {مدين أخاهم شعيبا} [الأعراف: 85] فلما أتاهم {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [الأعراف: 65] يقول: أطيعوه، وتذللوا له بالطاعة لما أمركم به، ونهاكم عنه، {ما لكم من إله غيره} [الأعراف: 59] يقول: ما لكم من معبود سواه يستحق عليكم العبادة غيره. {ولا تنقصوا المكيال والميزان} [هود: 84] يقول: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في مكيالكم وميزانكم، {إني أراكم بخير} [هود: 84] . واختلف أهل التأويل في الخير الذي أخبر الله عن شعيب أنه قال لمدين إنه يراهم به، فقال بعضهم: كان ذلك رخص السعر، وحذرهم غلاءه ذكر من قال ذلك:
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا عبد الله بن داود الواسطي، قال: ثنا محمد بن موسى، عن الذيال بن عمرو، عن ابن عباس، " {إني أراكم بخير} [هود: 84] قال: رخص السعر. {وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط} [هود: 84] قال: غلاء سعر "
حدثني أحمد بن علي النصري، قال: ثني عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا صالح بن رستم، عن الحسن، وذكر قوم شعيب قال PageEndV12P539 : " {إني أراكم بخير} [هود: 84] قال: رخص السعر "
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبي عامر الخزاز، عن الحسن، في قوله: " {إني أراكم بخير} [هود: 84] قال: الغنى ورخص السعر " وقال آخرون: عنى بذلك: إني أرى لكم مالا وزينة من زين الدنيا ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {إني أراكم بخير} [هود: 84] قال: يعني خير الدنيا، وزينتها "
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {إني أراكم بخير} [هود: 84] أبصر عليهم قشرا من قشر الدنيا وزينتها "
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {إني أراكم بخير} [هود: 84] قال: في دنياكم، كما قال الله تعالى: {إن ترك خيرا} [البقرة: 180] سماه خيرا لأن الناس يسمون المال خيرا " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما أخبر الله عن شعيب أنه قال لقومه، وذلك قوله: {إني أراكم بخير} [هود: 84] يعني بخير الدنيا. وقد يدخل في PageEndV12P540 خير الدنيا المال، وزينة الحياة الدنيا، ورخص السعر، ولا دلالة على أنه عنى بقيله ذلك بعض خيرات الدنيا دون بعض، فذلك على كل معاني خيرات الدنيا التي ذكر أهل العلم أنهم كانوا أوتوها. وإنما قال ذلك شعيب، لأن قومه كانوا في سعة من عيشهم، ورخص من أسعارهم، كثيرة أموالهم، فقال لهم: لا تنقصوا الناس حقوقهم في مكاييلكم وموازينكم، فقد وسع الله عليكم رزقكم. {وإني أخاف عليكم} [هود: 84] بمخالفتكم أمر الله وبخسكم الناس أموالهم في مكاييلكم وموازينكم عذاب يوم محيط، يقول: أن ينزل بكم عذاب يوم محيط بكم عذابه. فجعل المحيط نعتا لليوم، وهو من نعت العذاب، إذ كان مفهوما معناه، وكان العذاب في اليوم، فصار كقولهم جبتك محترقة
#
