جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 13
ابن جرير الطبري • التفسير • ج13 ص400
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
لم يوجه الظن في هذا الموضع منهم أحد إلى معنى العلم واليقين، مع أن الظن إنما استعمله العرب في موضع العلم فيما كان من علم أدرك من جهة الخبر، أو من غير وجه المشاهدة والمعاينة، فأما ما كان من علم أدرك من وجه المشاهدة والمعاينة فإنها لا تستعمل فيه الظن، لا تكاد تقول: أظنني حيا وأظنني إنسانا، بمعنى: أعلمني إنسانا وأعلمني حيا والرسل الذين كذبتهم أممهم لا شك أنها كانت لأممها شاهدة ولتكذيبها إياها منها سامعة، فيقال فيها: ظنت بأممها أنها كذبتها وروي عن مجاهد في ذلك قول هو خلاف جميع ما ذكرنا من أقوال الماضين الذين سمينا أسماءهم وذكرنا أقوالهم، وتأويل خلاف تأويلهم، وقراءة غير قراءة جميعهم، وهو أنه فيما ذكر عنه كان يقرأ: (وظنوا أنهم قد كذبوا) بفتح الكاف والذال وتخفيف الذال. ذكر الرواية عنه بذلك
حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا أبو عبيد، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، أنه قرأها: (كذبوا) بفتح الكاف بالتخفيف " وكان يتأوله، كما
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " استيأس الرجل أن تعذب قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا، جاءهم نصرنا، قال: جاء الرسل نصرنا، قال مجاهد: قال في PageEndV13P399 المؤمن: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} [غافر: 83] قال: " قولهم نحن أعلم منهم، ولن نعذب، وقوله: {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الزمر: 48] قال: «حاق بهم ما جاءت به رسلهم من الحق» وهذه القراءة لا أستجيز القراءة بها، لإجماع الحجة من قراء الأمصار على خلافها، ولو جازت القراءة بذلك لاحتمل وجها من التأويل، وهو أحسن مما تأوله مجاهد، وهو: {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] من عذاب الله قومها المكذبة بها، وظنت الرسل أن قومها قد كذبوا وافتروا على الله بكفرهم بها، ويكون الظن موجها حينئذ إلى معنى العلم، على ما تأوله الحسن وقتادة. وأما قوله: {فنجي من نشاء} [يوسف: 110] فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأه عامة قراء أهل المدينة ومكة والعراق: (فننجي من نشاء) بنونين، بمعنى: فننجي نحن من نشاء من رسلنا والمؤمنين بنا، دون الكافرين الذين كذبوا رسلنا إذا جاء الرسل نصرنا، واعتل الذين قرءوا ذلك كذلك أنه إنما كتب في المصحف بنون واحدة، وحكمه أن يكون بنونين، لأن إحدى النونين حرف من أصل الكلمة، من أنجى ينجي، والأخرى النون التي تأتي لمعنى الدلالة على الاستقبال، من فعل جماعة مخبرة عن أنفسها، لأنهما حرفان، أعني النونين من PageEndV13P400 جنس واحد يخفي الثاني منهما عن الإظهار في الكلام، فحذفت من الخط، واجتزئ بالمثبتة من المحذوفة، كما يفعل ذلك في الحرفين اللذين يدغم أحدهما في صاحبه، وقرأ ذلك بعض الكوفيين على هذا المعنى، غير أنه أدغم النون الثانية وشدد الجيم، وقرأه آخر منهم بتشديد الجيم ونصب الياء، على معنى فعل ذلك به من نجيته أنجيه، وقرأ ذلك بعض المكيين: (فنجا من نشاء) بفتح النون والتخفيف، من نجا من عذاب الله من نشاء ينجو. والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأه: (فننجي من نشاء) بنونين، لأن ذلك هو القراءة التي عليها القراءة في الأمصار، وما خالفه ممن قرأ ذلك ببعض الوجوه التي ذكرناها فمنفرد بقراءته عما عليه الحجة مجمعة من القراء، وغير جائز خلاف ما كان مستفيضا بالقراءة في قراءة الأمصار. وتأويل الكلام: فننجي الرسل ومن نشاء من عبادنا المؤمنين إذا جاء نصرنا، كما
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني PageEndV13P401 أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (فننجي من نشاء) فننجي الرسل ومن نشاء، {ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} [يوسف: 110] وذلك أن الله تبارك وتعالى بعث الرسل، فدعوا قومهم وأخبروهم أنه من أطاع نجا، ومن عصاه عذب وغوى "
#
