جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 14
ابن جرير الطبري • التفسير • ج14 ص323
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
وقوله: {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} [النحل: 81] يقول تعالى ذكره: كما أعطاكم ربكم هذه الأشياء التي وصفها في هذه الآيات نعمة منه بذلك عليكم، فكذا يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون يقول: لتخضعوا لله بالطاعة، وتذل منكم بتوحيده النفوس، وتخلصوا له العبادة وقد روي عن
ابن عباس أنه كان يقرأ: (لعلكم تسلمون) بفتح التاء
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: ثنا ابن المبارك، عن حنظلة، عن شهر بن حوشب، قال: كان ابن عباس يقول: " (لعلكم تسلمون) ، قال: يعني من الجراح "
حدثنا أحمد بن يوسف قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا عباد بن العوام، عن حنظلة السدوسي، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، أنه قرأها: «لعلكم تسلمون» من الجراحات، قال أحمد بن يوسف: قال أبو عبيد: يعني بفتح التاء واللام فتأويل الكلام على قراءة ابن عباس هذه: كذلك يتم نعمته عليكم بما جعل لكم من السرابيل التي تقيكم بأسكم، لتسلموا من السلاح في حروبكم، PageEndV14P323 والقراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها بضم التاء من قوله: {لعلكم تسلمون} [النحل: 81] وكسر اللام من أسلمت تسلم يا هذا، لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليها. فإن قال لنا قائل: وكيف جعل لكم سرابيل تقيكم الحر، فخص بالذكر الحر دون البرد، وهي تقي الحر والبرد؟ أم كيف قيل: {وجعل لكم من الجبال أكنانا} [النحل: 81] وترك ذكر ما جعل لهم من السهل؟ قيل له: قد اختلف في السبب الذي من أجله جاء التنزيل كذلك، وسنذكر ما قيل في ذلك ثم ندل على أولى الأقوال في ذلك بالصواب. فروي عن عطاء الخراساني في ذلك ما:
حدثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا محمد بن كثير، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، قال: " إنما نزل القرآن على قدر معرفتهم، ألا ترى إلى قول الله تعالى ذكره: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا، وجعل لكم من الجبال أكنانا} [النحل: 81] وما جعل لهم من السهول أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال، ألا ترى إلى قوله: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين} [النحل: 80] وما جعل لهم من غير ذلك أعظم منه وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر ألا ترى إلى قوله: {وينزل من السماء من جبال فيها من برد} [النور: 43] ، يعجبهم من ذلك؟ وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون به، ألا ترى إلى قوله: {سرابيل تقيكم الحر} [النحل: 81] وما تقي من البرد، أكثر وأعظم؟ ولكنهم كانوا أصحاب حر ". فالسبب الذي من أجله خص الله تعالى ذكره السرابيل بأنها تقي الحر دون
#
