جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 14
ابن جرير الطبري • التفسير • ج14 ص545
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن محبب، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] قال: إن بلغا عندك من الكبر ما يبولان ويخرآن، فلا تقل لهما أف تقذرهما
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: إما يبلغان عندك الكبر فلا تقل لهما أف حين ترى الأذى، وتميط عنهما الخلاء والبول، كما كانا يميطانه عنك صغيرا، ولا تؤذهما PageEndV14P546 وقد اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى «أف» ، فقال بعضهم: معناه: كل ما غلظ من الكلام وقبح. وقال آخرون: الأف: وسخ الأظفار والتف كل ما رفعت بيدك من الأرض من شيء حقير. وللعرب في أف لغات ست: رفعها بالتنوين وغير التنوين، وخفضها كذلك، ونصبها، فمن خفض ذلك بالتنوين، وهي قراءة عامة أهل المدينة. شبهها بالأصوات التي لا معنى لها، كقولهم في حكاية الصوت غاق غاق، فخفضوا القاف ونونوها، وكان حكمها السكون، فإنه لا شيء يعربها من أجل مجيئها بعد حرف ساكن وهو الألف، فكرهوا أن يجمعوا بين ساكنين، فحركوا إلى أقرب الحركات من السكون، وذلك الكسر، لأن المجزوم إذا حرك فإنما يحرك إلى الكسر. وأما الذين خفضوا بغير تنوين، وهي قراءة عامة قراء الكوفيين والبصريين، فإنهم قالوا: إنما يدخلون التنوين فيما جاء من الأصوات ناقصا، كالذي يأتي على حرفين مثل: مه وصه وبخ، فيتمم بالتنوين لنقصانه عن أبنية الأسماء. قالوا: وأف تام لا حاجة بنا إلى تتمته بغيره، لأنه قد جاء على ثلاثة أحرف. قالوا: وإنما كسرنا الفاء الثانية لئلا نجمع بين ساكنين. وأما من ضم ونون، فإنه قال: هو اسم كسائر الأسماء التي تعرب وليس PageEndV14P547 بصوت، وعدل به عن الأصوات. وأما من ضم ذلك بغير تنوين، فإنه قال: ليس هو باسم متمكن فيعرب بإعراب الأسماء المتمكنة، وقالوا: نضمه كما نضم قوله {لله الأمر من قبل ومن بعد} [الروم: 4] وكما نضم الاسم في النداء المفرد، فنقول: يا زيد. ومن نصبه بغير تنوين، وهو قراءة بعض المكيين وأهل الشام فإنه شبهه بقولهم: مد يا هذا ورد. ومن نصب بالتنوين، فإنه أعمل الفعل فيه، وجعله اسما صحيحا، فيقول: ما قلت له: أفا ولا تفا. وكان بعض نحويي البصرة يقول: قرئت: أف، وأفا لغة جعلوها مثل نعتها. وقرأ بعضهم «أف» ، وذلك أن بعض العرب يقول: «أف لك» على الحكاية: أي لا تقل لهما هذا القول. قال: والرفع قبيح، لأنه لم يجئ بعده بلام، والذين قالوا: «أف» فكسروا كثير، وهو أجود. وكسر بعضهم ونون. وقال بعضهم: «أفي» ، كأنه أضاف هذا القول إلى نفسه، فقال: أفي هذا لكما، والمكسور من هذا منون وغير منون على أنه اسم غير متمكن، نحو أمس وما أشبهه، والمفتوح بغير تنوين كذلك. وقال بعض أهل العربية: كل هذه الحركات الست تدخل في «أف» حكاية تشبه بالاسم مرة وبالصوت أخرى. قال: وأكثر ما تكسر الأصوات بالتنوين إذا PageEndV14P548 كانت على حرفين مثل صه ومه وبخ. وإذا كانت على ثلاثة أحرف شبهت بالأدوات «أف» مثل: ليت ومد، وأف مثل مد يشبه بالأدوات. وإذا قال أف مثل صه. وقالوا: سمعت مض يا هذا ومض. وحكي عن الكسائي أنه قال: سمعت «ما علمك أهلك إلا مض ومض» ، وهذا كأف وأف. ومن قال: «أفا» جعله مثل سحقا وبعدا. والذي هو أولى بالصحة عندي في قراءة ذلك، قراءة من قرأه: «فلا تقل لهما أف» بكسر الفاء بغير تنوين لعلتين، إحداهما: أنها أشهر اللغات فيها وأفصحها عند العرب، والثانية: أن حظ كل ما لم يكن له معرب من الكلام السكون، فلما كان ذلك كذلك، وكانت الفاء في أف حظها الوقوف، ثم لم يكن إلى ذلك سبيل لاجتماع الساكنين فيه، وكان حكم الساكن إذا حرك أن يحرك إلى الكسر حركت إلى الكسر، كما قيل: مد وشد ورد الباب
#
