شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 16

ابن جرير الطبري • التفسير • ج16 ص338

تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

له: يا أيوب، لو رأيت كيف أفلت من حيث أفلت، والذي رمانا به من فوقنا ومن تحتنا، ولو رأيت بنيك كيف عذبوا، وكيف مثل بهم، وكيف قلبوا فكانوا منكسين على رءسهم، تسيل دماؤهم، ودماغهم من أنوفهم وأجوافهم، وتقطر من أشفارهم، ولو رأيت كيف شقت بطونهم، فتناثرت أمعاؤهم، ولو رأيت كيف قذفوا بالخشب، والجندل يشدخ دماغهم، وكيف دق الخشب عظامهم، وخرق جلودهم، وقطع عصبهم، ولو رأيت العصب عريانا، ولو رأيت العظام متهشمة في الأجواف، ولو رأيت الوجوه مشدوخة، ولو رأيت الجدر تناطح عليهم، ولو رأيت ما رأيت، قطع قلبك فلم يزل يقول هذا ونحوه، ولم يزل يرققه حتى رق أيوب فبكى، وقبض قبضة من تراب فوضعها على رأسه، فاغتنم إبليس الفرصة منه عند ذلك، فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا به. ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر، فاستغفر، وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبة منه، فبدروا إبليس إلى الله، فوجدوه قد علم بالذي رفع إليه من توبة أيوب، فوقف إبليس خازيا ذليلا، فقال: يا إلهي، إنما هون على أيوب خطر المال والولد أنه يرى أنك ما متعته بنفسه، فأنت تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده؟ فأنا لك زعيم لئن ابتليته في جسده لينسينك، وليكفرن بك، وليجحدنك نعمتك قال الله: انطلق فقد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه، ولا على قلبه، ولا على عقله. فانقض عدو الله جوادا، فوجد أيوب ساجدا، فعجل قبل أن يرفع رأسه، فأتاه من قبل الأرض في موضع وجهه، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده، فترهل،

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية