جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 19
ابن جرير الطبري • التفسير • ج19 ص158
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {إلى طعام غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] قال: «متحينين نضجه»
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] يقول: «غير ناظرين الطعام أن يصنع»
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] قال: «غير متحينين طعامه» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله PageEndV19P159 ونصب {غير} [الأحزاب: 53] في قوله: {غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] على الحال من الكاف والميم في قوله: {إلا أن يؤذن لكم} [الأحزاب: 53] لأن الكاف والميم معرفة وغير نكرة، وهي من صفة الكاف والميم وكان بعض نحويي البصرة يقول: لا يجوز في «غير» الجر على الطعام، إلا أن تقول: أنتم، ويقول: ألا ترى أنك لو قلت: أبدى لعبد الله علي امرأة مبغضا لها، لم يكن فيه إلا النصب، إلا أن تقول: مبغض لها هو، لأنك إذا أجريت صفته عليها، ولم تظهر الضمير الذي يدل على أن الصفة له لم يكن كلاما، لو قلت: هذا رجل مع امرأة ملازمها، كان لحنا، حتى ترفع، فتقول ملازمها، أو تقول ملازمها هو، فتجر وكان بعض نحويي الكوفة يقول: لو جعلت «غير» في قوله: {غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] خفضا كان صوابا، لأن قبلها الطعام وهو نكرة، فيجعل فعلهم تابعا للطعام، لرجوع ذكر الطعام في إناه، كما تقول العرب: رأيت زيدا مع امرأة محسنا إليها ومحسن إليها، فمن قال محسنا جعله من صفة زيد، ومن خفضه فكأنه قال: رأيته مع التي يحسن إليها؛ فإذا صارت الصلة للنكرة أتبعتها وإن كانت فعلا لغير النكرة، كما قال الأعشى: [البحر المتقارب]
فقلت له هذه هاتها ... إلينا بأدماء مقتادها
فجعل المقتاد تابعا لإعراب بأدماء، لأنه بمنزلة قولك: بأدماء تقتادها، فخفضه، لأنه صلة لها، قال: وينشد: «بأدماء مقتادها» بخفض الأدماء PageEndV19P160 لإضافتها إلى المقتاد، قال: ومعناه: هاتها على يدي من اقتادها وأنشد أيضا: [البحر الطويل]
وإن امرأ أهدى إليك ودونه ... من الأرض موماة وبيداء فيهق
لمحقوقة أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المعان موفق
وحكي عن بعض العرب سماعا ينشد: [البحر الطويل]
أرأيت إذ أعطيتك الود كله ... ولم يك عندي إن أبيت إباء
أمسلمتي للموت أنت فميت ... وهل للنفوس المسلمات بقاء
ولم يقل: فميت أنا، وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: يدك باسطها، يريدون أنت، وهو كثير في الكلام، قال: فعلى هذا يجوز خفض «غير» والصواب من القول في ذلك عندنا، القول بإجازة جر «غير» في «غير ناظرين» في الكلام، لا في القراءة، لما ذكرنا من الأبيات التي حكيناها؛ فأما في القراءة فغير جائز في «غير» غير النصب، لإجماع الحجة من القراء على نصبها
#
