جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 19
ابن جرير الطبري • التفسير • ج19 ص314
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وقالوا آمنا به} [سبأ: 52] قالوا: «آمنا بالله»
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قالوا آمنا به} [سبأ: 52] عند ذلك، " يعني: حين عاينوا عذاب الله "
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في PageEndV19P315 قوله: {وقالوا آمنا به} [سبأ: 52] " بعد القتل وقوله {وأنى لهم التناوش} [سبأ: 52] يقول: ومن أي وجه لهم التناوش " واختلفت قراء الأمصار في ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة {التناوش} [سبأ: 52] بغير همز، بمعنى: التناول؛ وقرأته عامة قراء الكوفة والبصرة: (التناؤش) بالهمز، بمعنى: التنؤش، وهو الإبطاء، يقال منه: تناءشت الشيء: أخذته من بعيد، ونشته: أخذته من قريب؛ ومن التنؤش قول الشاعر: [البحر الطويل]
تمنى نئيشا أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمور
ومن النوش قول الراجز: [البحر الرجز]
فهي تنوش الحوض نوشا من علا ... PageEndV19P316 نوشا به تقطع أجواز الفلا
ويقال للقوم في الحرب، إذا دنا بعضهم إلى بعض بالرماح ولم يتلاقوا: قد تناوش القوم والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قراء الأمصار، متقاربتا المعنى، وذلك أن معنى ذلك: وقالوا آمنا بالله، في حين لا ينفعهم قيل ذلك، فقال الله {وأنى لهم التناوش} [سبأ: 52] أي وأين لهم التوبة والرجعة: أي قد بعدت عنهم، فصاروا منها كموضع بعيد أن يتناولوها؛ وإنما وصفت ذلك الموضع بالبعيد، لأنهم قالوا ذلك في القيامة، فقال الله: أني لهم بالتوبة المقبولة، والتوبة المقبولة إنما كانت في الدنيا، وقد ذهبت الدنيا فصارت بعيدا من الآخرة، فبأية القراءتين اللتين ذكرت قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك وقد يجوز أن يكون الذين قرؤوا ذلك بالهمز همزوا، وهم يريدون معنى من لم يهمز، ولكنهم همزوه لانضمام الواو فقلبوها، كما قيل: {وإذا الرسل PageEndV19P317 أقتت} [المرسلات: 11] فجعلت الواو من وقتت، إذا كانت مضمومة همزوه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
#
