جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 19
ابن جرير الطبري • التفسير • ج19 ص504
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ليس كذلك، ولكن الله كان إذا قضى أمرا في السماء سبح لذلك حملة العرش، فيسبح لتسبيحهم من يليهم من تحتهم من الملائكة، فما يزالون كذلك حتى ينتهي التسبيح إلى السماء الدنيا، فيقول أهل السماء الدنيا لمن يليهم من الملائكة: مم سبحتم؟ فيقولون: ما ندري: سمعنا من فوقنا من الملائكة سبحوا فسبحنا الله لتسبيحهم ولكنا سنسأل، فيسألون من فوقهم، فما يزالون كذلك حتى ينتهي إلى حملة العرش، فيقولون: قضى الله كذا وكذا، فيخبرون به من يليهم حتى ينتهوا إلى السماء الدنيا، فتسترق الجن ما يقولون، فينزلون إلى أوليائهم من الإنس فيلقونه على ألسنتهم بتوهم منهم، فيخبرونهم به، فيكون بعضه حقا وبعضه كذبا، فلم تزل الجن كذلك حتى رموا بهذه الشهب "
حدثنا ابن وكيع، وابن المثنى، قالا: ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن ابن عباس، قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من الأنصار، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية إذا رأيتموه؟» قالوا: كنا نقول: يموت عظيم أو يولد عظيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإنه لا يرمى به لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذي يلونهم، ثم الذين يلونهم PageEndV19P502 حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء ثم يسأل أهل السماء السابعة حملة العرش: ماذا قال ربنا؟ فيخبرونهم، ثم يستخبر أهل كل سماء، حتى يبلع الخبر أهل السماء الدنيا، وتخطف الشياطين السمع، فيرمون، فيقذفونه إلى أوليائهم، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يزيدون " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرنا معمر، قال: ثنا ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في نفر من أصحابه، قال: فرمي بنجم، ثم ذكر نحوه، إلا أنه زاد فيه: قلت للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، ولكنها غلظت حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم
حدثني علي بن داود، قال: ثنا عاصم بن علي، قال: ثنا أبي علي بن عاصم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " كان للجن مقاعد في السماء يسمعون الوحي، وكان الوحي إذا أوحي سمعت الملائكة كهيئة الحديدة يرمى بها على الصفوان، فإذا سمعت الملائكة صلصلة الوحي خر لجباههم من في السماء من الملائكة، فإذا نزل عليهم أصحاب الوحي PageEndV19P503 {قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ: 23] ، قال: فيتنادون، قال ربكم الحق وهو العلي الكبير؛ قال: فإذا أنزل إلى السماء الدنيا، قالوا: يكون في الأرض كذا وكذا موتا، وكذا وكذا حياة وكذا وكذا جدوبة، وكذا وكذا خصبا، وما يريد أن يصنع وما يريد أن يبتدئ تبارك وتعالى، فنزلت الجن فأوحوا إلى أوليائهم من الإنس، مما يكون في الأرض، فبيناهم كذلك، إذ بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم، فزجرت الشياطين عن السماء ورموهم بكواكب، فجعل لا يصعد أحد منهم إلا احترق، وفزع أهل الأرض لما رأوا في الكواكب، ولم يكن قبل ذلك، وقالوا: هلك من في السماء، وكان أهل الطائف أول من فزع، فينطلق الرجل إلى إبله، فينحر كل يوم بعيرا لآلهتهم، وينطلق صاحب الغنم، فيذبح كل يوم شاة، وينطلق صاحب البقر فيذبح كل يوم بقرة، فقال لهم رجل: ويلكم لا تهلكوا أموالكم، فإن معالمكم من الكواكب التي تهتدون بها لم يسقط منها شيء، فأقلعوا وقد أسرعوا في أموالهم وقال إبليس: حدث في الأرض حدث، فأتي من كل أرض بتربة، فجعل لا يؤتى بتربة أرض إلا شمها، فلما أتي بتربة تهامة قال: هاهنا حدث الحدث، وصرف الله إليه نفرا من الجن وهو يقرأ القرآن، فقالوا: {إنا سمعنا قرآنا عجبا} [الجن: 1] ، حتى ختم الآية، فولوا إلى قومهم منذرين "
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر ما قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع، فتسمعه فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم» فهذه الأخبار تنبئ عن أن الشياطين تسمع، ولكنها ترمى بالشهب لئلا تسمع فإن ظن ظان أنه لما كان في الكلام «وإلى» ، كان التسمع أولى بالكلام من السمع، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن العرب تقول: سمعت فلانا يقول كذا، وسمعت إلى فلان يقول كذا، وسمعت من فلان وتأويل الكلام: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب، وحفظا من كل شيطان مارد أن لا يسمع إلى الملإ الأعلى، فحذفت إن اكتفاء بدلالة الكلام عليها، كما قيل: {كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به} [الشعراء: 201] بمعنى: أن لا يؤمنوا به؛ ولو كان مكان «لا» أن لكان فصيحا، كما قيل: {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176] بمعنى: أن لا تضلوا، وكما قال: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} [النحل: 15] بمعنى: أن لا تميد بكم والعرب قد تجزم مع لا في مثل هذا الموضع من الكلام، فتقول: ربطت الفرس لا ينفلت، كما قال بعض بني عقيل: [البحر الطويل] PageEndV19P505 وحتى رأينا أحسن الود بيننا ... مساكنة لا يقرف الشر قارف
ويروى: لا يقرف رفعا، والرفع لغة أهل الحجاز فيما قيل
#
