شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 22

ابن جرير الطبري • التفسير • ج22 ص433

تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

ذكر من قال: الذين لم يرعوها حق رعايتها: الذين ابتدعوها حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة} [الحديد: 27] إلى قوله: {حق رعايتها} [الحديد: 27] يقول: «ما أطاعوني فيها، وتكلموا فيها بمعصية الله، وذلك أن الله عز وجل كتب عليهم القتال قبل أن يبعث محمدا صلى الله عليه وسلم، فلما استخرج أهل الإيمان، ولم يبق منهم إلا قليل، وكثر أهل الشرك وذهب الرسل وقهروا، اعتزلوا في الغيران، فلم يزل بهم ذلك حتى كفرت طائفة منهم، وتركوا أمر الله عز وجل ودينه، وأخذوا بالبدعة وبالنصرانية وباليهودية، فلم يرعوها حق رعايتها وثبتت طائفة على دين عيسى ابن مريم صلوات الله عليه، حين جاءهم بالبينات وبعث الله عز وجل محمدا رسولا صلى الله عليه وسلم وهم كذلك فذلك قوله» : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] إلى {والله غفور رحيم} [البقرة: 218]

حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} [الحديد: 27] " كان الله عز وجل كتب عليهم القتال قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلما استخرج أهل الإيمان، ولم يبق منهم إلا القليل، وكثر أهل الشرك، وانقطعت الرسل، اعتزلوا الناس، فصاروا في الغيران، فلم يزالوا كذلك حتى غيرت طائفة منهم، فتركوا دين الله وأمره وعهده الذي عهده إليهم، وأخذوا بالبدع، فابتدعوا النصرانية PageEndV22P433 واليهودية، فقال الله عز وجل لهم: {فما رعوها حق رعايتها} [الحديد: 27] وثبتت طائفة منهم على دين عيسى صلوات الله عليه، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فآمنوا به "

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا زكريا بن أبي مريم قال: سمعت أبا أمامة الباهلي، يقول: " إن الله كتب عليكم صيام رمضان، ولم يكتب عليكم قيامه، وإنما القيام شيء ابتدعتموه، وإن قوما ابتدعوا بدعة لم يكتبها الله عليهم، ابتغوا بها رضوان الله، فلم يرعوها حق رعايتها، فعابهم الله بتركها، فقال: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها} [الحديد: 27] " وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها بعض الطوائف التي ابتدعتها، وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر أنه آتى الذين آمنوا منهم أجرهم؛ قال: فدل بذلك على أن منهم من قد رعاها حق رعايتها، فلو لم يكن منهم من كان كذلك لم يكن مستحق الأجر الذي قال جل ثناؤه: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} [الحديد: 27] إلا أن الذين لم يرعوها حق رعايتها ممكن أن يكون كانوا على عهد الذين ابتدعوها، وممكن أن يكونوا كانوا بعدهم، لأن الذين هم من أبنائهم إذا لم يكونوا رعوها، فجائز في كلام العرب أن يقال: لم يرعها القوم على العموم والمراد منهم البعض الحاضر، وقد مضى نظير ذلك في مواضع كثيرة من هذا الكتاب

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية