جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 23
ابن جرير الطبري • التفسير • ج23 ص315
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {تعالى جد ربنا} [الجن: 3] قال: ذكره وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: عني بذلك: تعالت عظمة ربنا وقدرته وسلطانه. PageEndV23P316 وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن للجد في كلام العرب معنيين: أحدهما الجد الذي هو أبو الأب، أو أبو الأم، وذلك غير جائز أن يوصف به هؤلاء النفر الذين وصفهم الله بهذه الصفة، وذلك أنهم قد قالوا: فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ومن وصف الله بأن له ولدا أو جدا أو هو أبو أب أو أبو أم، فلا شك أنه من المشركين. والمعنى الآخر: الجد الذي بمعنى الحظ؛ يقال: فلان ذو جد في هذا الأمر: إذا كان له حظ فيه، وهو الذي يقال له بالفارسية: البخت، وهذا المعنى الذي قصده هؤلاء النفر من الجن بقيلهم: وأنه تعالى جد ربنا إن شاء الله. وإنما عنوا أن حظوته من الملك والسلطان والقدرة والعظمة عالية، فلا يكون له صاحبة ولا ولد، لأن الصاحبة إنما تكون للضعيف العاجز الذي تضطره الشهوة الباعثة إلى اتخاذها، وأن الولد إنما يكون عن شهوة أزعجته إلى الوقاع الذي يحدث منه الولد، فقال النفر من الجن: علا ملك ربنا وسلطانه وقدرته وعظمته أن يكون ضعيفا ضعف خلقه الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة، أو وقاع شيء يكون منه ولد. وقد بين عن صحة ما قلنا في ذلك إخبار الله عنهم أنهم إنما نزهوا الله عن اتخاذ الصاحبة والولد PageEndV23P317 بقوله: {وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا} [الجن: 3] يقال منه: رجل جدي وجديد ومجدود: أي ذو حظ فيما هو فيه؛ ومنه قول حاتم الطائي: [البحر البسيط]
اغزوا بني ثعل فالغزو جدكم ... عدوا الروابي ولا تبكوا لمن قتلا
وقال آخر: [البحر المتقارب]
يرفع جدك إني امرؤ ... سقتني إليك الأعادي سجالا
#
