تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم
ابن جماعة • الأذكار والآداب • ص 47
وإذا أصر الشيخ على قول أو دليل ولم يظهر له أو على خلاف صواب سهوا فلا يغير وجهه أو عينيه أو يشير إلى غيره كالمنكر لما قاله بل يأخذه ببشر ظاهر، وإن لم يكن الشيخ مصيبا لغفلة أو سهو أو قصور نظر في تلك الحال فإن العصمة في البشر للأنبياء صلى الله عليهم وسلم، وليتحفظ من مخاطبة الشيخ بما يعتاده بعض الناس في كلامه، ولا يليق خطابه به مثل: إيش بك، وفهمت، وسمعت، وتدري، ويا إنسان، ونحو ذلك، وكذلك لا يحكي له ما خوطب به غيره مما لا يليق خطاب الشيخ به، وإن كان حاكيا مثل: قال فلان لفلان: أنت قليل البر، أو ما عندك خير وشبه ذلك، بل يقول إذا أراد الحكاية ما جرت العادة بالكناية به مثل: قال فلان لفلان الأبعد قليل البر, وما عند البعيد خير وشبه ذلك. وليتحفظ من مفاجأة الشيخ بصورة رد عليه فإنه يقع ممن لا يحسن الأدب من الناس كثيرا مثل أن يقول له الشيخ: أنت قلت كذا وكذا، فيقول: ما قلت كذا، ويقول له الشيخ: مرادك في سؤالك كذا، أو خطر لك كذا, فيقول: لا أو ما هذا مرادي، أو ما خطر لي هذا وشبه ذلك، بل طريقه أن يتلطف بالمعاسرة عن الرد على الشيخ، وكذلك إذا استفهم الشيخ استفهام تقرير وجزم كقوله: ألم تقل كذا، وأليس مرادك كذا، فلا يبادر بالرد عليه بقوله لا أو ما هو مرادي، بل يسكت أو يوري عن ذلك بكلام لطيف يفهم الشيخ قصده منه، فإن لم يكن بد من تحرير قصده وقوله، فليقل: فأنا الآن أقول كذا، وأعود إلى قصد كذا، ويعيد كلامه ولا يقل الذي قلته أو الذي قصدته ليضمنه الرد عليه.
وكذلك ينبغي أن يقول في موضع لم ولا نسلم فإن قيل لنا كذا أو فإن منعنا ذلك، أو فإن سئلنا عن كذا أو فإن أورد كذا وشبه ذلك ليكون مستفهما للجواب سائلا له بحسن أدب ولطف عبارة.
العاشر:
إذا سمع الشيخ يذكر حكما في مسألة أو فائدة مستغربة أو يحكي حكاية أو ينشد شعرا وهو يحفظ ذلك أصغى إليه إصغاء مستفيد له في الحال متعطش إليه فرح به كأنه لم يسمعه قط.