شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم

ابن جماعة • الأذكار والآداب • ص 54

ويغتنم وقت فراغه ونشاطه وزمن عافيته وشرخ شبابه ونباهة خاطره وقلة شواغله قبل عوارض البطالة أو موانع الرياسة، قال عمر رضي الله عنه: تفقهوا قبل أن تسودوا. وقال الشافعي رضي الله عنه: تفقه قبل أن ترأس فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه. وليحذر من نظر نفسه بعين الجمال والاستغناء عن المشايخ فإن ذلك عين الجهل وقلة المعرفة وما يفوته أكثر مما حصله وقد تقدم قول سعيد بن جبير: لا يزال الرجل عالما ما تعلم، فإذا ترك التعلم وظن أنه قد استغنى أسوأ جهل ما يكون.

وإذا كملت أهليته وظهرت فضيلته ومر على أكثر كتب الفن أو المشهورة منها بحثا ومراجعة ومطالعة اشتغل بالتصنيف، وبالنظر في مذاهب العلماء، سالكا طريق الإنصاف فيما يقع له من الخلاف كما تقدم في أدب العالم.

السادس:

أن يلزم حلقة شيخه في التدريس والإقراء بل وجميع مجالسه إذا أمكن فإنه لا يزيده إلا خيرا وتحصيلا وأدبا وتفضيلا، كما قال علي رضي الله عنه في حديثه المتقدم. ولا تشبع من طول صحبته فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء، ويجتهد على مواظبته في خدمته والمسارعة إليها فإن ذلك يكسبه شرفا وتبجيلا.

ولا يقتصر في الحلقة على سماع درسه فقط إذا أمكنه فإن ذلك علامة قصور الهمة وعدم الفلاح وبطء التنبه بل يعتني بسائر الدروس المشروحة ضبطا وتعليقا ونقلا، وإن احتمل ذهنه ذلك ويشارك أصحابها حتى كأن كل درس منها له ولعمري أن الأمر كذلك للحريص فإن عجز عن ضبط جمعها اعتنى بالأهم فالأهم منها.

وينبغي أن يتذاكر مواظبو مجلس الشيخ ما وقع فيه من الفوائد والضوابط والقواعد وغير ذلك، وأن يعيدوا كلام الشيخ فيما بينهم فإن في المذاكرة نفعا عظيما، وينبغي المذاكرة في ذلك عند القيام من مجلسه قبل تفرق أذهانهم وتشتت خواطرهم وشذوذ بعض ما سمعوه عن أفهامهم ثم يتذاكرونه في بعض الأوقات.

(1/53)

الصفحة السابقة الصفحة التالية