تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم
ابن جماعة • الأذكار والآداب • ص 71
ولا يكثر التمشي في ساحة المدرسة بطالا من غير حاجة إلى راحة أو رياضة أو انتظار أحد، ويقلل الدخول والخروج ما أمكنه، ويسلم على من بالباب إذا مر به.
ولا يدخل ميضأتها العامة عند الزحام من العامة إلا لضرورة لما فيه من التبذل، ويتأنى عنده، ويطرق الباب إن كان مردودا طرقا خفيفا ثلاثا ثم يفتحه بتأن ولا يستجمر بالحائط فينجسه ولا يمسح يده المتنجسة بالحائط أيضا.
العاشر:
أن لا ينظر في بيت أحد في مروره من شقوق الباب ونحوه، ولا يلتفت إليه إذا كان مفتوحا، وإن سلم سلم وهو مار من غير التفات، ولا يكثر الإشارة إلى الطاقات لاسيما إن كان فيهن نساء.
ولا يرفع صوته جدا في تكرار أو نداء أحد أو بحث كيلا يشوش على غيره بل يخفضه ما أمكنه مطلقا لاسيما بحضور المصلين أو حضور أهل الدرس، ويتحفظ من شدة وقع القبقاب والعنف في إغلاق الباب، وإزعاج المشي في الدخول والخروج والصعود والنزول وطرق باب المدرسة بشدة لا يحتاج إليها ونداء من بأعلى المدرسة من أسفلها إلا أن يكون بصوت معتدل عند الحاجة.
وإذا كانت المدرسة مكشوفة إلى الطريق السالك من باب أو شباك تحفظ فيها عن التجرد عن الثياب وكشف الرأس الطويل من غير حاجة. ويتجنب ما يعاب كالأكل ماشيا وكلام الهزل غالبا، والبسط بالنعل، وفرط التمطي، والتمايل على الجنب والقفا، والضحك الفاحش بالقهقهة، ولا يصعد إلى سطحها المشرف من غير حاجة أو ضرورة.
الحادي عشر:
أن يتقدم على المدرس في حضور موضع الدرس، ولا يتأخر إلى بعد جلوسه وجلوس الجماعة فيكلفهم المعتاد من القيام ورد السلام وربما فيهم معذور فيجد في نفسه منه ولا يعرف عذره.
(1/70) وقد قال السلف: من الأدب مع المدرس أن ينتظره الفقهاء ولا ينتظرهم، وينبغي أن يتأدب في حضور الدرس بأن يحضره على أحسن الهيئات وأكمل الطهارات، وكان الشيخ أبو عمرو يقطع من يحضر من الفقهاء الدرس محففا بغير عمامة، أو مفكك إزاره الفرجية ويحسن جلوسه واستماعه وإيراده وجوابه وكلامه وخطابه.
(ولا يستفتح القراءة والتعوذ قبل المدرس)، وإذا دعا المدرس في أول الدرس للحاضرين على العادة أجابه الحاضرون بالدعاء له أيضا، وكان بعض أكابر مشايخي الزهاد الأعلام يزجر تارك ذلك ويغلظ عليه.
ويتحفظ من النوم والنعاس والحديث (والضحك وغير ذلك مما تقدم في أدب المتعلم)، ولا يتكلم بين الدرسين إذا ختم المدرس الأول بقوله: والله أعلم، إلا بإذن منه.
ولا يتكلم في مسألة أخذ المدرس الكلام في غيرها، ولا يتكلم بشيء حتى ينظر فيه فائدة وموضعا، ويحذر المماراة في البحث والمغالبة فيه فإن ثارت نفسه ألجمها بلجام الصمت والصبر والانقياد؛ لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - من ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتا في أعلى الجنة، فإن ذلك أقطع لانتشار الغضب وأبعد عن منافرة القلوب، ويجتهد كل من الحاضرين على طهارة القلب لصاحبه وخلوه عن الحقد وأن لا يقوم وفي نفسه منه شيء، وإذا قام من الدرس فليقل ما جاء في الحديث: "سبحانك الله وبحمدك، ولا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فاغفر لي ذنبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".
تم كتاب الآداب بحمد الله تعالى ومنه.
والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
- - -