التلخيص الحبير — ج 1
الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج1 ص19
دار الكتب العلمية
وفريق ثالث: أثبته بكل منهما "التواتر والآحاد" وهذا الفريق اختلف في شروط خبر الواحد اختلافا كثيرا.
وأما الأمر الأول: وهو حجية السنة بعد التثبت من صدورها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل وقع فيه خلاف.
الذي لا شك فيه أن موجبات الخلاف اختلاف الملل والنحل وتفاوت العقول؛ فهذا قد قصر عقله عن إدراك ما يقال وما يفعل، وهذا قد اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم، وثالث قد مرق من الدين مروق السهم من الرمية، وبين هؤلاء وهؤلاء الغارقين في ظلمات الجهل وعماية الفهم يشق النور طريقه مخترقا ذلك الظلام الدامس، فسرعان ما يبدده بتفنيد هذه الآراء والتمييز بين المتعالمين والعلماء بحجج قاطعة وبراهين ساطعة يرتاح إليها المصنفون، وينزعج لتبيانها المبطلون.
فحجية السنة ليس المراد منها أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته لذاتها، بل من حيث صدورها ممن ثبتت رسالته وعصمته.
فإذا قلنا: إنها ضرورة دينية أي إنها أصبحت معلومة للخاص والعام: العالم والجاهل، ولكل أفراد الأمة الإسلامية: لا ينكرها منكر، ولا يشك فيها شاك حتى يطالبنا ببيان دليلها وأصلها، فلما لم نحتج إلى بيان دليل لمنكر لها كصلاة الظهر مثلا وأنها أربع ركعات صارت بمنزلة القضايا الضرورية حقيقة؛ ولذلك كان الحكم على منكرها أو الشاك فيها بالردة لما تقرر من أن الإيمان هو التصديق القلبي في جميع ما علم مجيئه على يد النبي صلى الله عليه وسلم بالضرورة.
وخلاصة القول أن الأئمة قاطبة مجمعون على اتخاذ الحديث الصحيح قاعدة أساسية بعد كتاب الله تعالى، وأنه يجب العمل به في القضاء والإفتاء، ولو خالف مذاهبهم.
كان بعضهم يعتصم بالحديث حتى كاد يقصر اجتهاده عليه، وبعضهم أسس مذهبه على ظاهره، وأنكر ما عداه، ولا غرابة، فإنه المعين الذي لا ينضب بعد كتاب الله، فيه يجد المجتهد مجالا واسعا لاستنباط الأحكام، وهو مفتاح القرآن، ومرقاة الوصول إلى فهمه على وجهه، فقد فضل ما أجمل وأحكم ما تشابه، وكمل ما سكت عنه، وإذا كان الحديث بهذه المثابة فلا بأس أن نسرد أقوال الأئمة فيه، ونبين مقدار تمسكهم به في تشريعهم فها هو الإمام الشافعي- رضي الله عنه- يقول: إذا صح الحديث، فهو مذهبي، وإذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله، فدعوا قولي، وقولوا بسنة رسول الله، وقد سلك أصحابه هذا المسلك، فكانوا يفتون بالحديث، بل كان بعضهم إذا رأى مسألة تعارض فيها الحديث ومذهب الشافعي، أخذ بالحديث وأفتى به قائلا: "هكذا مذهب الشافعي".
#