تاريخ بغداد — ج 2
الخطيب البغدادي • التاريخ والتراجم • ج2 ص266
تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف — دار الغرب الإسلامي - بيروت
محمد بن إبراهيم المعروف بالإمام ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب كان يلي إمارة الحج والمسير بالناس إلى مكة وإقامة المناسك في خلافة المنصور عدة سنين، وتوفي ببغداد في خلافة الرشيد سنة خمس وثمانين ومائة، وكان الرشيد إذ ذاك قد شخص عن بغداد إلى الرقة، فصلى على محمد بن إبراهيم، محمد بن هارون الأمين وهو ولي العهد، ودفن في المقبرة المعروفة بالعباسية بباب الميدان، ذكر ذلك إسماعيل بن علي الخطبي فيما أنبأنا إبراهيم بن مخلد أنه سمعه منه.
ولمحمد بن إبراهيم عقب ببغداد، وقد روى العلم عن جعفر بن محمد بن علي وعبد الصمد بن علي، وابن أبي ليلى، وعن عمه أبي جعفر المنصور أيضا.
(278) -[QS2V267] حدثني عبد العزيز بن علي الوراق لفظا، قال: حدثنا أبو موسى هارون بن عيسى بن المطلب بن إبراهيم بن عبد العزيز الخطيب الهاشمي، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام الهاشمي قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا جدي محمد بن إبراهيم الإمام، وكان يجلس لولده وولد ولده في كل يوم خميس يعظ هم ويحدثهم، قال: أرسل إلى أمير المؤمنين المنصور بكرا واستعجلني الرسول، فظننت ذلك لأمر حادث، فركبت إذ سمعت وقع الحافر فقلت للغلام: انظر من هذا؟ فقال: هذا أخوك عبد الوهاب، فرفقت في السير فلحقني فسلم علي، فقال: أتاك رسول هذا؟ فقلت: نعم فهل أتاك؟ قال: نعم.
فقلت: فيم ذاك ترى؟ قال: تجده اشتهى خلا وزيتا برد الغداة، فأحب أن نأكل معه.
فقلت: ما أرى ذلك وما أظن هذا إلا لأمر.
قال: فانتهينا إليه فدخلنا، فإذا الربيع واقف عند الستر، فإذا المهدي ولي ال عهد هو في الدهليز جالس، وإذا عبد الصمد بن علي، وداود بن علي، وإسماعيل بن علي، وسليمان بن علي، وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين، وعبد الله بن حسن بن حسن، والعباس بن محمد، فقال الربيع: اجلسوا مع بني عمكم.
قال: فجلسنا ثم دخل الربيع، وخرج وقال للمهدي: ادخل أصلحك الله.
ثم خرج، فقال: ادخلوا جميعا.
فدخلنا فسلمنا وأخذنا مجالسنا، فقال للربيع: هات دوايا وما يكتبون فيه، فوضع بين يدي كل واحد منا دواة وورق، ثم التفت إلى عبد الصمد بن علي، فقال: يا عم حدث ولدك وإخوتك وبني أخيك بحديث البر والصلة.
فقال عبد الصمد بن علي: حدثني أبي، عن جدي عبد الله بن العباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن البر والصلة ليطيلان الأعمار ويعمران الديار ويثريان الأموال ولو كان القوم فجارا ".
ثم قال: يا عم الحديث الآخر
(279) -[QS2V268] فقال عبد الصمد بن علي: حدثني أبي، عن جدي عبد الله بن العباس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن البر والصلة.
ليخففان سوء الحساب يوم القيامة.
ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب}، فقال المنصور: يا عم الحديث الآخر
(280) -[QS2V268] فقال عبد الصمد بن علي: حدثني أبي، عن جدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان في بني إسرائيل ملكان أخوان على مدينتين، وكان أحدهما برا برحمه، عادلا على رعيته، وكان الآخر عاقا برحمه، جائرا على رعيته، وكان في عصرهما نبي فأوحى الله تعالى إلى ذلك النبي، أنه قد بقي من عمر هذا البار ثلاث سنين، وبقي من عمر هذا العاق ثلاثون سنة، قال: فأخبر النبي رعية هذا ورعية هذا، فأحزن ذلك رعية العادل وأحزن ذلك رعية الجائر.
قال: ففرقوا بين الأطفال والأمهات، وتركوا الطعام والشراب، وخرجوا إلى الصحراء يدعون الله أن يمتعهم بالعادل، وأن يزيل عنهم أمر الجائر، فأقاموا ثلاثا، فأوحى الله إلى ذلك النبي، أن أخبر عبادي أني قد رحمتهم وأجبت دعاءهم، فجعلت ما بقي من عمر هذا البار لذلك الجائر، وما بقي من عمر الجائر لهذا البار.
قال: فرجعوا إلى بيوتهم، ومات العاق لتمام ثلاث سنين، وبقي العادل فيهم ثلاثين سنة، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير}، ثم التفت المنصور إلى جعفر بن محمد، فقال: يا أبا عبد الله حدث إخوتك وبني عمك بحديث أمير المؤمنين علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم في البر
(281) -[QS2V269] فقال جعفر بن محمد: حدثني أبي، عن جدي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من ملك يصل رحمه وذا قرابته، ويعدل على رعيته، إلا شد الله له ملكه وأجزل له ثوابه، وأكرم مآبه، وخفف حسابه " أخبرني الحسن بن أبي بكر، قال: كتب إلي محمد بن إبراهيم الجوري من شيراز يذكر، أن أحمد بن حمدان بن الخضر أخبرهم، قال: حدثنا أحمد بن يونس الضبي، قال: حدثني أبو حسان الزيادي، قال: سنة خمس وثمانين ومائة فيها مات محمد بن إبراهيم الهاشمي، لإحدى عشرة بقيت من شوال.