تاريخ بغداد — ج 3
الخطيب البغدادي • التاريخ والتراجم • ج3 ص201
تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف — دار الغرب الإسلامي - بيروت
محمد بن زياد أبو عبد الله مولى بني هاشم يعرف بابن الأعرابي صاحب اللغة كان أحمد العالمين بها، والمشار إليهم في معرفتها، كثير الحفظ لها، ويقال: لم يكن في الكوفيين أشبه برواية البصريين منه، وكان يزعم أن الأصمعي وأبا عبيدة لا يحسنان قليلا ولا كثيرا.
وحدث عن: أبي معاوية الضرير، روى عنه: أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو العباس ثعلب، وأبو عكرمة الضبي، وأبو شعيب الحراني، وكان ثقة.
(566) -[QS3V202] أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد المتوثي، قال: حدثنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان، قال: حدثنا عبد الله بن أبي مسلم الحراني، قال: حدثني أبو عبد الله ابن الأعرابي، قال: حدثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " كنت لك كأبي زرع لأم زرع " أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: قال لنا أبو جعفر أحمد بن يعقوب بن يوسف الأصبهاني النحوي: فأما أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي، فكانت طرائقه طرائق الفقهاء والعلماء ومذاهب جلة شيوخ المحدثين، وأحفظ الناس للغات والأيام والأنساب أخبرني أبو عبد الله بن عرفة وغيره، قال: قال أبو العباس أحمد بن يحيى: قال لي ابن الأعرابي: أمللت عليهم قبل أن تجيئني يا أحمد حمل جمل.
قال أبو جعفر: وسمعت أبا الحسن ابن الكوفي، يقول: قال أبو العباس أحمد بن يحيى: انتهى علم اللغة والحفظ إلى ابن الأعرابي.
قال أبو جعفر: وحدثني محمد بن عبد الواحد، قال: سمعت أحمد بن يحيى، يقول: سمعت ابن الأعرابي يقول في كلمة رواها الأصمعي: سمعته من ألف أعرابي خلاف ما قاله الأصمعي.
قال أبو جعفر: وسمعت أبا عبد الله بن عرفة يقول: سمعت أبا جعفر القحطبي، يقول: لما مات ابن الأعرابي ذهبنا نشتري كتبه، فوجدنا كتبه رقاقا، وأوراقا، ورقاعا، ولم أر في كتبه شكلة إلا الفتحات.
قال: وما رؤي في يد ابن الأعرابي كتاب قط، وكان من أوثق الناس.
وقال أبو جعفر: حدثنا قاسم الأنباري، قال: سمعت أحمد بن عبيد بن ناصح، يقول: أنشدنا ابن الأعرابي بيتا في كتاب المفضل الضبي، قال: هذا البيت المصراع الأول فيه أنشدناه المفضل في هذا الكتاب، والمصراع الثاني أنشدناه هشام بن محمد الكلبي.
أخبرنا محمد بن علي بن أحمد المقرئ، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ، قال: سمعت محمد بن صالح بن هانئ، يقول: سمعت الفضل بن محمد الشعراني، يقول: كان للناس رءوسا، كان سفيان الثوري رأسا في الحديث، وأبو حنيفة رأسا في القياس، والكسائي رأسا في القرآن، فلم يبق اليوم رأسا في فن من الفنون أكبر من ابن الأعرابي، فإنه رأس في كلام العرب أخبرنا أبو بكر أحمد بن سليمان بن علي المقرئ، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى القرشي، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن النضر وهو ابن بنت معاوية بن عمرو، قال: كان أبو عبد الله ابن الأعرابي جارنا، وكان ليلة أحسن ليل.
وذكر لنا أن ابن أبي داود سأله: أتعرف في اللغة استوى بمعنى استولى؟ فقال لا أعرفه أخبرني الأزهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي، قال: حدثنا داود بن علي، قال: كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الله ما معنى قول الله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}؟ قال: هو على عرشه كما أخبر.
قال الرجل: ليس كذاك هو يا أبا عبد الله، إنما معنى قوله استوى: استولى.
فقال ابن الأعرابي: اسكت، ما يدريك ما هذا؟ العرب لا تقول للرجل استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما غلب قيل استولى عليه، والله لا مضاد له، وهو على عرشه كما أخبر، والاستيلاء بعد المغالبة، قال النابغة:
ألا لمثلك أو من أنت سابقه سبق الجواد إذا استولى على الأمد
أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي، قال: حدثنا علي بن عمر الحافظ، قال: حدثنا أبو علي الكوكبي الحسين بن القاسم بن جعفر، قال: حدثنا أبو عكرمة الضبي، قال: حدثني محمد بن زياد الأعرابي، قال: بعث إلي المأمون فصرت إليه، وهو في بستان يمشي مع يحيى بن أكتم، فرأيتهما موليين، فجلست فلما أقبلا قمت، فسلمت عليه بالخلافة، فسمعته يقول ليحيى: يا أبا محمد، ما أحسن أدبه، رآنا موليين فجلس، ثم رآنا مقبلين فقام، ثم رد علي السلام، وقال: يا محمد أخبرني عن أحسن ما قيل في الشراب، فقلت: يا أمير المؤمنين، قوله:
تريك القذى من دونها وهي دونه إذا ذاقها من ذاقها يتمطق
فقال: أشعر منه الذي يقول، يعني: أبا نواس:
فتمشت في مفاصلهم كتمشي البرء في السقم
فعلت في البيت إذ مزجت مثل فعل الصبح في الظلم
واهتدى ساري الظلام بها كاهتداء السفر بالعلم
فقلت: فائدة يا أمير المؤمنين.
فقال: أخبرني عن قول هند بنت عتبة:
نحن بنات طارق نمشي على النمارق
من طارق هذا؟ قال: فنظرت في نسبها فلم أجده، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أعرف في نسبها، فقال: إنما أرادت النجم، وانتسبت إليه لحسنها، من قول الله تعالى: {والسماء والطارق} الآية.
فقلت: فائدتان يا أمير المؤمنين.
فقال أنا بؤبؤ هذا الأمر وابن بؤبئه.
ثم دحا إلي بعنبرة وكان يقلبها في يده، بعتها بخمسة آلاف درهم أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن وهب البندار، قال: حدثنا أبو غالب علي بن أحمد بن النضر، قال: ومات ابن الأعرابي في سنة ثلاثين أخبرنا الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن عرفة، قال: وفي هذه السنة مات أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي، يعني: سنة إحدى وثلاين ومائتين أخبرني الحسن بن أبي بكر، قال: كتب إلي محمد بن إبراهيم الجوري يذكر أن، أحمد بن حمدان بن الخضر أخبرهم، قال: قال أبو العباس أحمد بن يونس بن المسيب الضبي: مات أبو عبد الله ابن الأعرابي صاحب الغريب في سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
قلت: وبسر من رأى كانت وفاته، وصلى عليه أحمد بن أبي دؤاد القاضي، وبلغ من السن على ما يقال: ثمانين سنة