تاريخ بغداد — ج 5
الخطيب البغدادي • التاريخ والتراجم • ج5 ص51
تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف — دار الغرب الإسلامي - بيروت
أحمد بن إسحاق بن البهلول بن حسان بن سنان أبو جعفر التنوخي أنباري الأصل
ولي قضاء مدنية المنصور عشرين سنة، وحدث حديثا كثيرا، وكان عنده عن أبي كريب محمد بن العلاء حديث واحد، وسمع أباه إسحاق بن البهلول، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، وأبا سعيد الأشج، ومؤمل بن إهاب، وأبا هشام الرفاعي، ومحمد بن المثنى العنزي، ويعقوب الدورقي، وسفيان بن محمد المصيصي، وسعيد بن يحيى الأموي، وعبد الرحمن بن يونس الرقي، ومحمد ابن زنبور المكي، وأبا عبيدة بن أبي السفر، وغيرهم.
روى عنه: أبو الحسن الجراحي، ومحمد بن إسماعيل الوراق، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو حفص بن شاهين، ومحمد بن عبد الرحمن المخلص، وجماعة سواهم، وكان ثقة.
(1264) -[QS5V52] أخبرنا محمد بن طلحة النعالي، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس بن محمد الوراق، قال: حدثنا أحمد بن إسحاق بن بهلول القاضي، قال: حدثنا سفيان بن محمد بن سفيان بن إبراهيم الفزاري، قال: حدثنا عبد الله بن عصمة النصيبي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا فرع ولا عتيرة في الإسلام " قال القاضي: هكذا في أصلي أيوب، عن أبي قلابة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
أخبرنا محمد بن علي بن الفتح، قال: حدثنا أبو الحسن الدارقطني، قال: حدثنا القاضي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول إملاء، بإسناده نحوه.
قال أبو الحسن: هذا حديث غريب من حديث أبي قلابة الجرمي، عن الزهري، وهو غريب من حديث أيوب السختياني، عن أبي قلابة، تفرد به عبد الله بن عصمة النصيبي، عن حماد بن سلمة عنه، ولم يروه غير سفيان بن محمد المصيصي، ولم نكتبه عنه إلا عن القاضي أبي جعفر.
حدثني الحسن بن أبي طالب، عن يوسف القواس، أنه ذكر أحمد بن إسحاق بن البهلول في جملة شيوخه الثقات.
حدثنا علي بن المحسن، حدثنا طلحة بن محمد بن جعفر، في تسمية قضاة بغداد، قال: وأحمد بن إسحاق بن البهلول بن حسان بن سنان التنوخي، من أهل الأنبار، عظيم القدر، واسع الأدب، تام المروءة، حسن الفصاحة، حسن المعرفة بمذهب أهل العراق، ولكنه غلب عليه الأدب، وكان لأبيه إسحاق مسند كبير حسن، وكان ثقة، وحمل الناس عن جماعة، من أهل هذا البيت، منهم البهلول بن حسان، ثم ابنه، ثم أولاد إسحاق، حدث منهم بهلول بن إسحاق، وحدث القاضي أحمد بن إسحاق، وابنه محمد، وحدث ابن أخي القاضي داود بن الهيثم بن إسحاق، وكان أسن من عمه القاضي داود بن الهيثم، وأبو بكر يوسف بن يعقوب بن إسحاق الأزرق، وكان من جلة الكتاب، ولم يزل أحمد بن إسحاق بن البهلول على قضاء المدينة من سنة ست وتسعين ومئتين إلى شهر ربيع الآخر من سنة ست عشر وثلاث مائة، ثم صرف أخبرنا علي بن أبي علي المعدل، قال: قال أبي أحمد بن إسحاق بن البهلول، ولد بالأنبار في المحرم سنة إحدى وثلاثين ومئتين ومات ببغداد في شهر ربيع الآخر سنة سبع عشرة وثلاث مائة، وكان ثبتا في الحديث، ثقة مأمونا، جيد الضبط لما حدث به، وكان متقنا في علوم شتى، منها الفقه على مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وربما خالفهم في مسيئلات يسيره، وكان تام العلم باللغة، حسن القيام بالنحو على مذاهب الكوفيين، وله فيها كتاب ألفه، وكان واسع الحفظ للشعر القديم والمحدث، والأخبار الطوال، والسير والتفسير، وكان شاعرا كثير الشعر جدا، خطيبا حسن الخطابة، والتفوه بالكلام، لسنا صالح الحفظ من الترسل في المكاتبة والبلاغة في المخاطبة، وكان ورعا متخشيا في الحكم، وتقلد القضاء بالأنبار وهيت، وطريق الفرات، من قبل الموفق بالله الناصر لدين الله في سنة ست وسبعين ومئتين، ثم تقلده للناصر دفعة أخرى، ثم تقلده للمعتضد، ثم تقلد بعض كور الجبل للمكتفي في سنة اثنين وتسعين ومئتين، ولم يخرج إليها، ثم قلده المقتدر بالله في سنة ست وتسعين بعد فتنة ابن المعتز القضاء بمدينة المنصور من مدينة السلام، وطوسجي قطربل ومسكن، والأنبار، وهيت وطريق الفرات، ثم أضاف له إلى ذلك بعد سنين القضاء بكور الأهواز مجموعة لما مات قاضيها إذ ذاك محمد بن خلف المعروف بوكيع، فما زال على هذه الأعمال إلى أن صرف عنها في سنة سبع عشرة وثلاث مائة أخبرنا علي بن أبي علي، قال: حدثني أبي، قال: أخبرني القاضي أبو نصر يوسف بن عمر ابن القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، قال: كنت أحضر دار المقتدر وأنا غلام حدث بالسواد مع أبي الحسين، وهو يومئذ يخلف أباه أبا عمر، فكنت أرى في بعض المواكب القاضي أبا جعفر يحضر بالسواد، فإذا رآه أبي عدل إلي موضعه فجلس عنده، فيتذاكران بالشعر والأدب والعلم، حتى يجتمع عليهما من الخدم عدد كثير كما يجتمع على القصاص، استحسانا لما يجرى بينهما، فسمعته يوما قد أنشد بيتا لا أذكره الآن، فقال له أبي: أيها القاضي أني أحفظ هذا البيت بخلاف هذه الرواية، فصاح عليه صيحة عظيمة، وقال: اسكت، ألي تقول هذا؟ وأنا أحفظ لنفسي من شعري خمسة عشرة ألف بيت، وأحفظ للناس أضعاف ذلك وأضعافه يكررها مرارا أخبرنا علي بن أبي علي، عن أبي الحسن محمد بن يوسف الأزرق، قال: حدثني القاضي أبو طالب محمد ابن القاضي أبي جعفر بن البهلول، قال: كنت مع أبي في جنازة بعض أهل بغداد من الوجوه وإلى جانبه في الحق جالس أبو جعفر الطبري، فأخذ أبي يعظ صاحب المصيبة ويسليه، وينشده أشعارا، ويروي له أخبارا.
فداخله الطبري في ذلك ودأب معه، ثم اتسع الأمر بينهم في المذاكرة، وخرجا إلي فنون كثيرة من الأدب والعلم، استحسنها الحاضرون وعجبوا منها، وتعالى النهار وافترقنا، فلما حصلت أسير خلفه، قال لي أبي: يا بني، هذا الشيخ الذي داخلنا اليوم في المذاكرة من هو؟ أتعرفه؟ فقلت: يا سيدي، كأنك لم تعرفه، فقال: لا، فقلت: هذا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، فقال: تالله، ما أحسنت عشرتي يا بني فقلت، كيف يا سيدي؟ قال: ألا قلت لي في الحال فكنت أذاكره غير تلك المذاكرة، هذا رجل مشهور بالحفظ والاتساع في صنوف من العلم، وما ذاكرته بحسبها، قال: ومضت على هذا مدة فحضرنا في حق آخر، وجلسنا فإذا بالطبري يدخل إلي الحق، فقلت له: قليلا قليلا أيها القاضي، هذا أبو جعفر الطبري قد جاء مقبلا، قال: فأومأ إليه بالجلوس عنده، فعدل إليه، فأوسعت له حتى جلس إلى جنبه، وأخذ أبي يحادثه، فكلما جاء إلى قصيدة ذكر الطبري منها أبياتا، قال أبي: هاتها يا أبا جعفر إلى آخرها، فيتلعثم الطبري فينشدها أبي إلى آخرها، وكلما ذكر أشياء من السير، قال أبي: كان هذا في قصة فلان، ويوم بني فلان، مر يا أبا جعفر، فيه، فربما مر وربما تلعثم، فيمر أبي في جميعه حتى نسقه، قال: فما سكت أبي يومه ذلك إلى الظهر وبان للحاضرين تقصير الطبري عنه، ثم قمنا، فقال لي أبي: الآن شفيت صدري أخبرني علي بن المحسن، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري، قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن إدريس الكوفي النحوي المعروف بابن سياه، يقول: سمعت أبا بكر بن الأنباري، يقول ما رأيت صاحب طيلسان أنحى من القاضي أبي جعفر بن البهلول.
أخبرنا أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه، قال: أخبرنا عيسى بن حامد الرخجي، وحدثني الحسن بن محمد الخلال، قال: حدثنا يوسف بن عمر القواس، قالا: مات أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن بهلول في سنة ثمان عشرة وثلاث مائة، وقد تقدم ذكر وفاته في سنة سبع عشرة، وذاك وهم، وهذا هو الصواب أخبرنا علي بن المحسن، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر، وأخبرنا السمسار، قال: أخبرنا الصفار، حدثنا ابن قانع، قالا: مات أحمد بن إسحاق بن البهلول في شهر ربيع الآخر من سنة ثمان عشرة وثلاث مائة