تاريخ بغداد — ج 6
الخطيب البغدادي • التاريخ والتراجم • ج6 ص197
تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف — دار الغرب الإسلامي - بيروت
أحمد بن محمد بن عبد الله بن العباس بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب أبو الحسن القرشي الأموي ولي قضاء القضاة بعد أبي محمد ابن الأكفاني، ولم يزل على القضاء إلى حين وفاته، وكان ينزل على شاطئ دجلة بالجانب الغربي، وكان عفيفا نزها، وقد سمع من أبي عمر الزاهد، وعبد الباقي بن قانع، إلا أنه لم يحدث.
فحدثني القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي، قال: أنشدني قاضي القضاة أبو الحسن أحمد بن محمد بن أبي الشوارب، قال: أنشدني أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد، قال: أنشدنا الأستاذ أبو العباس أحمد بن يحيى:
عجبت لمن يخاف حلول فقر ويأمن ما يكون من المنون
أتأمن ما يكون بغير شك وتخشى ما ترجمه الظنون
وحدثني أبو العلاء الواسطي، قال: روي أن المتوكل دعا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وأحمد بن المعدل، وإبراهيم التيمي من البصرة، وعرض على كل واحد منهم قضاء البصرة، فاحتج محمد بن عبد الملك بالسن العالية وغير ذلك، واحتج أحمد بن المعدل بضعف البصر وغير ذلك، وامتنع إبراهيم التيمي، فقال: لم يبق غيرك، وجزم عليه فولى، فنزلت حال إبراهيم عند أهل العلم، وعلت حال الآخرين، قال أبو العلاء: فيرى الناس أن بركة امتناع محمد بن عبد الملك دخلت على ولده، فولى منهم أربعة وعشرون قاضيا، منهم ثمانية تقلدوا قضاء القضاة، آخرهم أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله، وما رأينا مثله جلالة، ونزاهة، وصيانة، وسروا.
قلت: وبلغني أنه ولد في اليوم الحادي عشر من ذي القعدة سنة تسع وعشرين وثلاث مائة، وولي قضاء البصرة قديما.
حدثني القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري، قال: كان بيني وبين القاضي أبي الحسن بن أبي الشوارب بالبصرة أنس كثير، وامتزاج شديد، حتى كان يعدني ولدا وكنت أعده والدا، فما علمت له سرا قط لو ظهر عليه استحيى منه، قال ابن حبيب: وكان بالبصرة رجل من وجوهها واسع الحال، كثير المال جدا، يعرف بأبي نصر بن عبدويه، فقال لي، وقد دخلت عليه عائدا له في علة الموت: في صدري سر قد بعلت بكتمانه مذ زمن طويل، وأريد إطلاعك عليه، لما ولي القاضي أبو الحسن بن أبي الشوارب القضاء بالبصرة في أيام بهاء الدولة وكان بيني وبينه من المودة ما شهرته تغنى عن ذكره، مضيت إليه وخاطبته فقلت: قد علمت أن هذا الأمر الذي تقلدته يحتاج فيه إلى مؤن كثيرة، وأمور لا تقدر عليها، وقد أحضرتك مائتي دينار، وتعلم أني ممن لا يطلب قضاء، ولا شهادة، ولا وبيني وبين أحد خصومة أحتاج فيها إلى الترافع إليك، وإن حدث اقتضى الترافع إليك فبالله عليك إلا حكمت علي في ذلك بما يجب على يهودي لو كان في موضعي، وأسألك أن تقبض مني هذه الدنانير تستعين بها على أمرك، فإن قبلتها بسبب المودة التي بيننا فأنت في حل منها في الدنيا والآخرة، وإن كرهت قبولها على ذلك الوجه فهي قرض لي عليك، فقال: أعلم أن الأمر كما ذكرته، ووالله إني لمحتاج إليها، ولكن لا يراني الله وقد قبلت أعانة على هذا الأمر، وأسألك بالله إن أطلعت أحدا على هذا السر ما دمت في الدنيا، قال ابن عبدويه: فوالله ما ذكرت لأحد هذا السر قبل هذا الوقت، قال ابن حبيب: ومات من يومه ذلك.
مات ابن أبي الشوارب في ليلة الخميس الثامن عشر من شوال سنة سبع عشرة وأربع مائة، وكانت ولايته فضاء القضاة في رجب من سنة خمس وأربع مائة.