تاريخ بغداد — ج 14
الخطيب البغدادي • التاريخ والتراجم • ج14 ص266
تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف — دار الغرب الإسلامي - بيروت
عسكر بن الحصين أبو تراب النخشبي الزاهد كان كثير السفر إلى مكة، وقدم بغداد غير مرة، واجتمع بها مع أبي عبد الله أحمد بن حنبل.
حكى عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل وغيره.
أخبرني الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن مروان المالكي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، فلان ثقة.
فقال أبو تراب: يا شيخ لا تغتاب العلماء، فالتفت أبي إليه، فقال له: ويحك، هذا نصيحة، ليس هذا غيبة.
أخبرني أبو الحسن محمد بن عبد الواحد، وأحمد بن علي المحتسب، قالا: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري، قال: سمعت عبد الله بن علي، يقول: سمعت الدقي يقول: سمعت أبا عبد الله بن الجلاء، يقول: لقيت ست مائة شيخ، ما رأيت فيهم مثل أربعة، أولهم أبو تراب.
أخبرني عبيد الله بن أبي الفتح، وعمر بن الحسين بن إبراهيم الخفاف، قالا: حدثنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري، قال: حدثني أبو الطيب أحمد بن جعفر الحذاء، قال: سمعت أبا علي الحسين بن خيران الفقيه يقول: " مر أبو تراب النخشبي بمزين، فقال له: تحلق رأسي لله عز وجل فقال له: اجلس فجلس، ففيما يحلق رأسه مر به أمير أهل بلده، فسأل حاشيته، فقال لهم: أليس هذا أبو تراب؟ فقالوا: نعم، فقال: أيش معكم من الدنانير؟ فقال له رجل من خاصته: معي خريطة فيها ألف دينار، فقال: إذا قام فأعطه، واعتذر إليه، وقل له: لم يكن معنا غير هذه الدنانير، فجاء الغلام إليه، فقال له: إن الأمير يقرأ عليك السلام، وقال لك: ما حضر معنا غير هذه الدنانير، فقال له: ادفعها إلى المزين، فقال له المزين: أيش أعمل بها؟ فقال: خذها، فقال: لا والله، ولو أنها ألفي دينار ما أخذتها، فقال له أبو تراب: مر إليه، فقل: إن المزين ما أخذها، خذها أنت فاصرفها في مهماتك.
أخبرني محمد بن عبد الواحد الأصغر، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا العباس محمد بن الحسن البغدادي يقول: سمعت أبا عبد الله ابن الفارسي يقول: سمعت أبا الحسين الرازي يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت أبا تراب يقول: ما تمنت علي نفسي قط إلا مرة، تمنت علي خبزا وبيضا وأنا في سفري، فعدلت من الطريق إلى قرية، فلما دخلنا وثب إلي رجل فتعلق بي، وقال: إن هذا كان مع اللصوص، قال: فبطحوني، وضربوني سبعين جلدة، فوقف علينا رجل، فصرخ هذا أبو تراب، فأقاموني، واعتذروا إلي، وأدخلني الرجل منزله، وقدم إلي خبزا وبيضا، فقلت: كليها بعد سبعين جلدة.
حدثنا عبد العزيز بن علي الأزجي، قال: حدثنا علي بن عبد الله الهمذاني، قال: حدثنا محمد بن داود، قال: سمعت أبا عبد الله ابن الجلاء يقول: قدم أبو تراب مرة إلى مكة، فقلت له: يا أستاذ أين أكلت؟ فقال: جئت بفضولك، أكلت أكلة بالبصرة، وأكلة بالنباج، وأكلة عندكم ".
أخبرني مكي بن علي المؤذن، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي، قال: سمعت أبا عبيد دارم بن أبي دارم يقول: سمعت أخي أحمد بن محمد، قال: قال أبو تراب النخشبي: وقفت خمسا وخمسين وقفة، فلما كان من قابل رأيت الناس بعرفات، ما رأيت قط أكثر منهم، ولا أكثر خشوعا وتضرعا ودعاء، فأعجبني ذلك، فقلت: اللهم من لم تقبل حجته من هذا الخلق، فاجعل ثواب حجتي له، وأفضنا من عرفات، وبتنا بجمع، فرأيت في المنام هاتفا يهتف بي: تتسخى علينا، وأنا أسخى الأسخياء؟ وعزتي وجلالي، ما وقف هذا الموقف أحد قط إلا غفرت له، فانتبهت فرحا بهذه الرؤيا، فرأيت يحيى بن معاذ الرازي، وقصصت عليه الرؤيا، فقال: إن صدقت رؤياك فإنك تعيش أربعين يوما، فلما كان يوم أحد وأربعين جاءوا إلى يحيى بن معاذ الرازي، فقالوا: إن أبا تراب مات، فغسله ودفنه.
أخبرنا أحمد بن علي المحتسب، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي: أن أبا تراب توفي في البادية، قيل: نهشته السباع سنة خمس وأربعين ومائتين.