شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تاريخ الإسلام — ج 10

الذهبي • التاريخ والتراجم • ج10 ص86

تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف — دار الغرب الإسلامي

BIO_MAN$

- 177 - محمد بن هبة الله بن محمد بن الحسين، الإمام أبو سهل ابن جمال الإسلام أبي محمد الموفق ابن القاضي العلامة أبي عمر البسطامي ثم النيسابوري. [الوفاة: 456 ه]

ذكره عبد الغافر فقال: سلالة الإمامة، وقرة عين أصحاب الحديث، انتهت إليه زعامة الشافعية بعد أبيه، فأجراها أحسن مجرى. ووقعت في أيامه PageVXXP0087 وقائع ومحن للأصحاب. وكان يقيم رسم التدريس، لكنه كان رئيسا، دينا، ذكيا صينا، قليل الكلام. ولد سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. وسمع من مشايخ وقته بخراسان، والعراق، مثل النصرويي، وأبي حسان المزكي، وأبي حفص بن مسرور. وكان بيتهم مجمع العلماء وملتقى الأئمة، فتوفي أبوه سنة أربعين، فاحتف به الأصحاب، وراعوا فيه حق والده، وقدموه للرياسة. وقام أبو القاسم القشيري في تهيئة أسبابه، واستدعى الكل إلى متابعته، وطلب من السلطان ذلك فأجيب، وأرسل إليه الخلع ولقب بأبيه جمال الإسلام، وصار ذا رأي وشجاعة ودهاء، وظهر له القبول عند الخاص والعام، حتى حسده الأكابر وخاصموه، فكان يخصمهم ويتسلط عليهم، فبدا له خصوم، واستظهروا بالسلطان عليه وعلى أصحابه، وصارت الأشعرية مقصودين بالإهانة والطرد والنفي، والمنع عن الوعظ والتدريس، وعزلوا عن خطابة الجامع. ونبغ من الحنفية طائفة أشربوا في قلوبهم الاعتزال والتشيع، فخيلوا إلى ولي الأمر الإزراء بمذهب الشافعي عموما، وتخصيص الأشعرية، حتى أدى الأمر إلى توظيف اللعنة عليهم في الجمع، وامتد الأمر إلى تعميم الطوائف باللعن في الخطب.

واستعلى أولئك في المجامع، فقام أبو سهل أبلغ قيام، وتردد إلى العسكر في دفع ذلك، إلى أن ورد الأمر بالقبض على الرئيس الفراتي، والقشيري، وأبي المعالي ابن الجويني، وأبي سهل بن الموفق، ونفيهم ومنعهم عن المحافل. وكان أبو سهل غائبا إلى بعض النواحي، ولما قرئ الكتاب بنفيهم أغري بهم الغوغاء والأوباش، فأخذوا بأبي القاسم القشيري والفراتي يجرونهما ويستخفون بهما، وحبسا بالقهندز. وكان ابن الجويني أحس بالأمر، فاختفى وخرج على طريق كرمان إلى الحجاز، وبقيا في السجن مفترقين أكثر من شهر، فتهيأ أبو سهل من ناحية باخرز، وجمع من شاكريته وأعوانه رجالا عارفين بالحرب، وأتى باب البلد، وطلب تسريح الفراتي والقشيري، فما أجيب، بل هدد بالقبض عليه، فما التفت، وعزم على دخول البلد ليلا، والاشتغال بإخراجهما مجاهرة ومحاربة، وكان متولي البلد قد تهيأ للحرب، فزحف أبو سهل ليلا إلى قرية له على باب البلد، وهيأ الأبطال، ودخل البلد مغافصة إلى داره، وصاح من معه بالنعرات العالية، ورفعوا عقائرهم، فلما أصبحوا ترددت الرسل والنصحاء في الصلح، وأشاروا على الأمير بإطلاق PageVXXP0088 الرئيس والقشيري، فأبى، وبرز برجاله، وقصد محلة أبي سهل، فقام واحد من أعوان أبي سهل واستدعى منه كفاية تلك النائرة إياه وأصحابه، فأذن لهم، فالتقوا في السوق، وثبت هؤلاء حتى فرغ نشاب أولئك، ثم حمل هؤلاء عليهم فهزموهم إلى رأس المربعة، وهموا بأسر الأمير، وسبوه وردوه مجروحا أكثر رجاله، مقتولا منهم طائفة، مسلوبا سلاح أكثرهم. ثم توسط السادة العلوية، ودخلوا على أبي سهل في تسكين الفتنة، وأخرجوا الإثنين من الحبس إلى داره، وباتوا على ظفر، وأحب الشافعية أبا سهل.

ثم تشاور الأصحاب بينهم، وعلموا أن مخالفة السلطان قد يكون لها تبعة، وأن الخصوم لا ينامون، فاتفقوا على مهاجرة البلد إلى ناحية أستوا، ثم يذهبون إلى الملك. وبقي بعض الأصحاب بالنواحي متفرقين وذهب أبو سهل إلى العسكر بالري، وخرج خصمه من الجانب الآخر، وتوافيا بالري وأنهي إلى السلطان ما جرى، وسعي بأصحاب الشافعي والإمام أبي سهل وجرت مناظرات، وحبس أبو سهل في قلعة طورك أشهرا، ثم صودر وأبيعت ضياعه، ثم عفي عنه، وأحيل ببعض ما أخذ منه، ووجه إليها، فخرج إلى فارس، وحصل شيئا من ذلك، وقصد بيت الله فحج ورجع، وحسن حاله عند السلطان، وأذن له في الرجوع إلى خراسان، وأتى على ذلك سنون إلى أن تبدل الأمر، ومات السلطان طغرلبك، وتسلطن أبو شجاع ألب أرسلان، فحظي عنده. ووقع منه موقعا أرفع مما وقع أبوه من طغرلبك، ولاح عليه أنه يستوزره، فقصد سرا، واحتيل في إهلاكه، ومضى إلى رحمة الله في هذا العام، وحمل تابوته إلى نيسابور، وأظهر أهلها عليه من الجزع ما لم يعهد مثله، وبقيت النوائح عليه مدة بعده. وكانت مراثيه تنشد في الأسواق والأزقة، وبقيت مصيبته جرحا لا يندمل، وأفضت نوبة القبول بين العوام إلى نجله ولم يبق سواه أحد من نسله. وكان إذا حضر السلطان البلد يقدم له أبو سهل وللأمراء من الحلواء والأطعمة المفتخرة أشياء كثيرة بحيث يتعجب السلطان والأعوان. ولقد دخل إليه يوم تلك الفتنة زوج أخته الشريف أبو محمد الحسن بن زيد شفيعا في تسكين النائرة، فنثر على أقدامه ألف دينار، واعتذر بأنه فاجأه بالدخول. PageVXXP0089

اختصرت هذا من " السياق " لعبد الغافر.

وذكر غيره أن ألب أرسلان بعثه رسولا إلى بغداد، فمات في الطريق.

الصفحة السابقة الصفحة التالية