تاريخ الإسلام — ج 14
الذهبي • التاريخ والتراجم • ج14 ص95
تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف — دار الغرب الإسلامي
BIO_MAN$
- 150 - يوسف بن رافع بن تميم بن عتبة بن محمد بن عتاب، قاضي القضاة بهاء الدين أبو المحاسن وأبو العز الأسدي الحلبي الأصل الموصلي المولد والمنشأ الشافعي الفقيه، المعروف بابن شداد. [الوفاة: 632 ه]
ولد في رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة.
وحفظ القرآن. ولزم أبا بكر يحيى بن سعدون القرطبي فقرأ عليه القراءات والعربية، وسمع منه ومن محمد بن أسعد حفدة العطاري، وابن ياسر الجياني، وأبي الفضل خطيب الموصل، وأخيه عبد الرحمن بن أحمد، والقاضي أبي الرضا سعيد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري، وأبي البركات عبد الله بن الخضر ابن الشيرجي الفقيه، ويحيى الثقفي. وببغداد من شهدة الكاتبة، وأبي الخير أحمد بن إسماعيل القزويني.
وتفقد، وتفنن، وبرع في العلم. وحدث بمصر ودمشق وحلب.
--- teachers/students # روى عنه أبو عبد الله الفاسي المقرئ، والزكي المنذري، والكمال العديمي، وابنه المجد، والجمال ابن الصابوني، والشهاب القوصي، ونصر الله وسعد الخير ابنا النابلسي، والشهاب الأبرقوهي، وأبو صادق محمد ابن الرشيد العطار، وسنقر القضائي، وجماعة. وبالإجازة قاضي القضاة تقي الدين سليمان، وأبو نصر محمد بن محمد ابن الشيرازي، وجماعة.
وكان - كما قال عمر ابن الحاجب -: ثقة، حجة ، عارفا بأمور الدين، اشتهر اسمه، وسار ذكره. وكان ذا صلاح وعبادة. وكان في زمانه كالقاضي أبي يوسف في زمانة. دبر أمور الملك بحلب، واجتمعت الألسن على مدحه. وأنشأ دار حديث بحلب. وصنف كتاب " دلائل الأحكام " في أربع مجلدات.
وحكى القاضي ابن خلكان، أن بعض أصحابه حدثه، قال: سمعت القاضي بهاء الدين يقول: كنا في النظامية فاتفق أربعة من فقهائها أو خمسة على شرب البلاذر، واشتروا قدرا - قال لهم الطبيب - واستعملوه في مكان، فجنوا، ونفروا إلى بعد أيام وإذا واحد منهم قد جاء إلى المدرسة عريانا بادي العورة، وعليه بقيار كبير بعذبة إلى كعبه، وهو ساكت مصمم، فقام إليه فقيه، وسأله عن الحال، فقال: اجتمعنا وشربنا البلاذر فجن أصحابي وسلمت أنا PageVXXP0096
وحدي، وصار يظهر العقل العظيم، وهم يضحكون وهو لا يدري.
وقال القاضي شمس الدين ابن خلكان: انحدر إلى بغداد، وأعاد بها، ثم مضى إلى الموصل، فدرس بالمدرسة التي أنشأها القاضي كمال الدين ابن الشهرزوري. وانتفع به جماعة. ثم حج سنة ثلاث وثمانين وزار الشام، فاستحضره السلطان صلاح الدين، وأكرمه، وسأله عن جزء حديث ليسمع منه، فأخرج له " جزءا " فيه أذكار من " البخاري " فقرأه عليه بنفسه. ثم جمع كتابا مجلدا في فضائل الجهاد وقدمه للسلطان، ولازمه فولاه قضاء العسكر المنصور وقضاء القدس. وكان حاضرا موت صلاح الدين. ثم خدم بعده ولده الملك الظاهر، فولاه قضاء مملكته، ونظر أوقافها سنة نيف وتسعين. ولم يرزق ولدا، ولا كان له أقارب. واتفق أن الملك الظاهر أقطعه إقطاعا يحصل له منها جملة كثيرة، فتصمد له مال كثير، فعمر منه مدرسة سنة إحدى وستمائة، ثم عمر في جوارها دار حديث وبينهما تربة له. قصده الطلبة واشتغلوا عليه للعلم والدنيا. وصار المشار إليه في تدبير الدولة بحلب إلى أن كبر، واستولت عليه البرودات والضعف، فكان يتمثل بهذا:
من يتمن العمر فليدرع ... صبرا على فقد أحبابه
ومن يعمر يلق في نفسه ... ما يتمناه لأعدائه
وقال شيخنا ابن الظاهري: ابن شداد هو جد قاضي القضاة بهاء الدين هذا لأمه، فنسب إليه.
وقال الأبرقوهي: قدم مصر رسولا غير مرة آخرها القدمة التي سمعت منه فيها.
وقال ابن خلكان: كان يكنى أولا أبا العز فغيرها بأبي المحاسن. PageVXXP0097
وقال: قال في بعض تواليفه: أول من أخذت عنه شيخي صائن الدين القرطبي، فإني لازمت القراءة عليه إحدى عشرة سنة، وقرأت عليه معظم ما رواه من كتب القراءات، والحديث وشروحه، والتفسير، وكتب لي خطه بأنه ما قرأ عليه أحد أكثر مما قرأت عليه. إلى أن قال: ومن شيوخي سراج الدين محمد بن علي الجياني قرأت عليه " صحيح مسلم " كله بالموصل، و" الوسيط " للواحدي، وأجاز لي سنة تسع وخمسين. ومنهم: فخر الدين أبو الرضا أسعد بن الشهرزوري سمعت عليه " مسند أبي عوانة " و" مسند أبي يعلى" و" مسند الشافعي" و" سنن أبي داود" و" جامع الترمذي ". وسمعت من جماعة، منهم شهدة ببغداد.
قال ابن خلكان: أعاد بالنظامية ببغداد في حدود السبعين. وحج سنة ثلاث وثمانين. وقدم زائرا بيت المقدس، فبالغ في إكرامه صلاح الدين، فصنف له مصنفا في الجهاد وفضله. وكان شيخنا وأخذت عنه كثيرا. وكتب صاحب إربل في حقي وحق أخي كتابا إليه يقول: أنت تعلم ما يلزم من أمر هذين الولدين وأنهما ولدا أخي، وولدا أخيك، ولا حاجة مع هذا إلى تأكيد. فتفضل القاضي وتلقانا بالقبول والإكرام وأحسن حسب الإمكان، وكان بيده حل الأمور وعقدها، ولم يكن لأحد معه كلام. ولا يعمل الطواشي شهاب الدين طغريل شيئا إلا بمشورته، وكان للفقهاء به حرمة تامة وافرة، وطال عمره، وأثر الهرم فيه حتى صار كالفرخ، وضعفت حركته. ثم طول ترجمته وهى ثمان ورقات منها، قال: وكان القاضي يسلك طريق البغاددة في أوضاعهم، ويلبس زيهم، والرؤساء ينزلون عن دوابهم إليه على قدر أقدارهم. ثم سار إلى مصر لإحضار ابنة الكامل لزوجها العزيز، فقدم وقد استقل العزيز بنفسه ورفعوا عنه الحجر ونزل طغرل إلى البلد. واستولي على العزيز جماعة شباب يعاشرونه فاشتغل بهم، ولم ير القاضي وجها يرتضيه، فلازم داره إلى أن مات وهو باق على القضاء. ولم يبق له حديث في الدولة، فصار يفتح بابه لإسماع الحديث كل يوم، وظهر عليه الخرف بحيث إنه صار إذا جاءه إنسان، PageVXXP0098
لا يعرفه، وإذا عاد إليه، لا يعرفه، ويسأل عنه، واستمر على هذا الحال مديدة. ثم مرض أياما قلائل، ومات يوم الأربعاء رابع عشر صفر بحلب. وقد صنف كتاب " ملجأ الحكام " في الأقضية مجلدين، وكتاب " المنجز الباهر" في الفقه، وكتاب " دلائل الأحكام " في مجلدين، وكتاب " سيرة صلاح الدين " فجودها.