شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريق الهجرتين وباب السعادتين

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص108

دار السلفية، القاهرة، مصر

وقال تعالى: {وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28] ،

قال طاووس ومقاتل وغيرهما: لا يصبر عن النساء. وقال الحسن: هو خلقه من ماء مهين.

وقال الزجاج: ضعف عزمه عن قهر الهوى.

والصواب أن ضعفه يعم هذا كله، وضعفه أعظم من هذا وأكثر: فإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم ضعيف الصبر، والآفات إليه [مع] هذا الضعف أسرع من السيل فى صيب الحدود. فبالإضطرار لا بد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده، فإن تخلى عنه هذا المساعد المعين فالهلاك أقرب إليه من نفسه. وخلقه على هذه الصفة هو من الأمور التى يحمد عليها الرب [جل جلاله] ويثنى عليه بها. وهو موجب حكمته وعزته، فكل ما يحدث من هذه الخلقة ويلزم عنها فهو بالنسبة إلى الخالق [عز وجل] خير وعدل وحكمة، إذ مصدر هذه الخلقة عن صفات كماله من غناه وعلمه وعزته وحكمته ورحمته، وبالنسبة إلى العبد تنقسم إلى خير وشر وحسن وقبيح، كما تكون بالنسبة إليه طاعة ومعصية وبرا وفجورا، بل أخص من ذلك، مثل كونها صلاة وصياما وحجا [وزكاة] وسرقة وأكلا وشربا، إذ [ذلك] موجب حاجته وظلمه وجهله وفقره وضعفه، وموجب أمر الله له ونهيه، ولله سبحانه الحكمة البالغة والنعمة السابغة والحمد المطلق على تجميع ما خلقه وأمر به، وعلى ما لم يخلقه مما لو شاءه لخلقه، وعلى توفيقه الموجب لطاعته وعلى خذلانه الموقع فى معصيته، وهو سبقت رحمته غضبه وكتب على نفسه الرحمة، وأحسن كل شيء خلقه وأتقن كل ما صنع وما يحصل للنفوس البشرية من الضرر والأذى فله فى ذلك سبحانه أعظم حكمة مطلوبة وتلك الحكمة إنما تحصل على الوجه الواقع المقدر بما خلق لها من الأسباب التى لا تنال غاياتها إلا بها، فوجود هذه الأسباب بالنسبة إلى الخالق الحكيم سبحانه هو من الحكمة، ولهذا يقرن سبحانه فى كتابه بين اسمه الحكيم واسمه العليم تارة وبين اسمه العزيز تارة كقوله: {والله عليم حكيم} [النساء: 26] [الأنفال: 71] ، {والله عزيز حكيم} [البقرة: 240] [المائدة: 38] ، وقوله: {وكان الله عزيزا حكيما} [النساء: 158، 165] [الفتح: 7، 19] ، {وكان الله عليما حكيما} [النساء: 170] [الفتح: 4] ، {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم} [النمل: 6]

فإن العزة تتضمن القوة، ولله القوة جميعا، يقال: عز يعز- بفتح العين- إذا اشتد

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية