طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص14
دار السلفية، القاهرة، مصر
فى ماله: إن شاء أبقاه، وإن شاء ذهب به وأفناه، فلا يتهم مولاه فى تصرفه فى ملكه ويرى تدبيره هو موجب الحكمة فليس لقلبه بالمال تعلق ولا له به اكتراث، لصعوده عنه وارتفاع همته إلى المالك الحق، فهو غنى به وبحبه ومعرفته وقربه منه عن كل ما سواه، وهو فقير إليه دون ما سواه، فهذا هو البريء عن رؤية الملكة الموجبة للطغيان، كما قال تعالى: {كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} [العلق: 6-7] ، ولم يقل: إن استغنى، بل جعل الطغيان ناشئا عن رؤية غنى نفسه، ولم يذكر هذه الرؤية فى سورة الليل بل قال: {وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} [الليل: 8-10] ، وهذا- والله أعلم لأنه ذكر موجب طغيانه وهو رؤية غنى نفسه، وذكر فى سورة الليل موجب هلاكه وعدم تيسيره لليسرى، وهو استغناؤه عن ربه بترك طاعته وعبوديته، فإنه لو افتقر إليه لتقرب إليه بما أمره من طاعته، فعل المملوك الذى لا غنى له عن مولاه طرفة عين ولا يجد بدا من امتثال أوامره، ولذلك ذكر معه بخله وهو تركه إعطاء ما وجب عليه من الأقوال والأعمال وأداء المال، وجمع إلى ذلك تكذيبه بالحسنى وهى التى وعد بها أهل الإحسان بقوله: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] ، ومن فسرها بشهادة أن لا إله إلا الله فلأنها أصل الإحسان، وبها تنال الحسنى. ومن فسرها بالخلف فى الإنفاق فقد هضم المعنى حقه وهو أكبر من ذلك. وإن كان الخلف جزءا من أجزاء الحسنى، والمقصود أن الاستغناء عن الله سبب هلاك العبد وتيسيره لكل عسرى، ورؤيته غنى نفسه سبب طغيانه، وكلاهما مناف للفقر والعبودية.
قوله: "الدرجة الأولى فقر الزهاد، وهو نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا، وإسكات اللسان عنها ذما أو مدحا، والسلامة منها طلبا أو تركا، وهذا هو الفقر الذى تكلموا فى شرفه". فحاصل هذه الدرجة فراغ اليد والقلب من الدنيا والذهول عن الفقر منها والزهد فيها، وعلامة فراغ [اليد نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا فهو لا يضبط يده] مع وجودها شحا وضنا بها، ولا يطلبها مع فقدها سؤالا وإلحافا وحرصا. فهذا الإعراض والنفض دال على سقوط منزلتها من القلب، إذ لو كان لها فى القلب منزلة لكان الأمر بضد ذلك، وكان يكون حاله الضبط مع الوجود لغناه بها، ولكان
#