طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص119
دار السلفية، القاهرة، مصر
وشرابه فأيس منها ومن الحياة فنام ثم استيقظ فإذا بها قد تعلق خطامها فى أصل شجرة فجاء حتى أخذها، فالله أفرح بتوبة العبد حين يتوب إليه من هذا براحلته، فهذا الفرح العظيم الذى لا يشبهه شيء أحب إليه سبحانه من عدمه، وله أسباب ولوازم لابد منها، وما يحصل بتقدير عدمه من الطاعات وإن كان محبوبا له فهذا الفرح أحب إليه بكثير ووجوده بدون لازمه ممتنع، فله من الحكمة فى تقدير أسبابه وموجباته حكمة بالغة ونعمة سابغة. هذا بالإضافة إلى الرب جل جلاله، وأما بالإضافة إلى العبد فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفا على أسباب لا تحصل بدونها، فتقدير الذنب عليه إذا اتصل به التوبة والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار كان من النعم باعتبار غايته وما يعقبه وإن كان من الابتلاء والامتحان باعتبار صورته ونفسه والرب تعالى محمود على الأمرين، فإن اتصل بالذنب الآثار المحبوبة للرب سبحانه من والتوبة والذل والإنابة والانكسار فهو عين مصلحة العبد، والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، وإن لم يتصل به ذلك، فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه وشره وعدم استعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الذكية الطاهرة فى الملأ الأعلى ومعلوم وأن هذه النفس فيها من الشر والخبث ما فيها، فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها ومساكنة من تليق مساكنته ومجاورة الأرواح الخبيثة فى المحل الأسفل، فإن هذه النفوس إذا كانت مهيأة لذلك فمن الحكمة أن تستخرج منها الأسباب التى توصلها إلى ما هى مهيأة له ولا يليق به سواه والرب تعالى محمود على إنعامه وإحسانه على أهل الإحسان والأنعام القابلين له فما كل أحد قابلا لنعمته تعالى فحمده وحكمته تقتضى أن لا يودع وإحسانه وكنوزه فى محل غير قابل لها.
ولا يبقى إلا أن يقال: فما الحكمة فى خلق هذه الأرواح التى هى غير قابلة لنعمته؟ فقد تقدم من الجواب عن ذلك ما فيه كفاية. وأن خلق الأضداد والمقابلات وترتيب آثارها عليها موجب ربوبيته وحكمته وعلمه وعزته، وأن تقدير عدم ذلك هضم من جانب الربوبية. وأيضا فإن هذه الحوادث نعمة فى حق المؤمن، فإنها إذا وقعت فهو مأمور أن نكرها بقلبه ويده ولسانه فقط أو بقلبه فقط،
#