طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص124
دار السلفية، القاهرة، مصر
فيه حكمه وسبق به علمه، فهو المتصرف فى الممالك كلها وحده تصرف ملك قادر قاهر عادل رحيم تام الملك لا ينازعه فى ملكه منازع ولا يعارضه فيه معارض، فتصرفه فى المملكة دائر بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة فلا يخرج تصرفه عن ذلك. وفى تفسير الحافظ أبى بكر أحمد بن موسى بن مردويه من حديث الحمانى: حدثنا إسحق بن سليمان عن معاوية بن يحيى عن يونس ابن ميسرة عن أبى إدريس عن أبى الدرداء أنه سئل عن قوله تعالى: {كل يوم هو فى شأن} [الرحمن: 29] ، فقال: سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين، وفيه أيضا من حديث حماد بن سلمة حدثنا الزبير أبو عبد السلام عن أيوب بن عبد الله بن مكرز عن أبيه قال: قال عبد الله بن مسعود: إن ربكم عز وجل ليس عنده ليل ولا نهار، نور السموات والأرض من نور وجهه. أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة: تعرض عليه أعمالكم بالأمس ثلاث ساعات من أول النهار، فيطلع منها على ما يكره فيغضب فيكون أول من يعلم بغضبه حملة العرش، فتسبح حملة العرش وسراداقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة، وينفخ جبريل فى القرن فلا يبقى خلق لله فى السموات ولا فى الأرض إلا سمعه إلا الثقلين، ويسبحون [ثلاث ساعات] حتى يمتليء الرحمن رحمة، فتلك ست ساعات ثم يدعو بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات: {يصوركم في الأرحام كيف يشآء لا إله إلا هو العزيز الحكيم} [آل عمران: 6] ، {يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور} [الشورى: 49] ، فتلك تسع ساعات. ثم يدعو بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات: {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} [الإسراء: 30] [الروم: 37] [سبأ: 36] [الزمر: 52] [الشورى: 12] فتلك اثنتا عشرة ساعة. ثم قرأ عبد الله: {كل يوم هو فى شأن} [الرحمن: 29] ثم قال: هذا شأنكم وشأن ربكم عز وجل. وذكره الطبرانى فى المعجم الكبير من وجه آخر. وهذا من تمام تصرفه فى ملكه سبحانه، فلو قصر تصرفه على وجه واحد ونمط واحد لم يكن تصرفا تاما.
#